تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ولم تذكر كتب التراجم أنه رحل إلى البادية في طلب اللغة والسماع عن العرب ومشافهتهم ، غير أن ما يتردّد في كتابه من مثل قوله : « سمعنا بعض العرب يقول » و « سمعنا العرب تنشد هذا الشعر » و « سمعنا من العرب » وهو « كثير في جميع لغات العرب » و « عربى كثير » و « عربى جيد » و « قد سمعناهم » و « قال قوم من العرب ترضى عربيتهم » و « سمعنا من العرب من يوثق بعربيته » يدل دلالة قاطعة على أنه رحل إلى بوادي نجد والحجاز مثل أستاذه الخليل . والكتاب يفيض بسيول من أقوال العرب وأشعارهم ، لا يرويها عن شيوخه ، وهي بدورها تؤكد ، بل تحتم ، أنه رحل إلى ينابيع اللغة والنحو يستمد منها مادة وعتادا فصيحا صحيحا بشاراته في النطق وهيآته . ولما توفّى الخليل خلفه - على ما يظهر - في حلقته ، إذ نجد كتب طبقات النحاة تنصّ على طائفة من تلاميذه مثل الأخفش الأوسط وقطرب ، وأكبّ حينئذ على تصنيف الكتاب ، وسرعان ما أخذ نجمه يتألق لا في البصرة دار النحو فحسب ، بل أيضا في بغداد ، ورحل إليها طامحا إلى الشهرة في حاضرة الدولة ، وحدث أن التقى بالكسائى مقرئ الكوفة ومؤدب الأمين بن الرشيد ، وكان ذلك في دار يحيى البرمكي ، وقيل بل في دار الرشيد ، ويقال إنه لقيه قبل الكسائي بعض أصحابه : الأحمر وهشام والفراء ليوهنوا منه . ولم يلبث صاحبهم أن تعرّض له بالسؤال في المسألة الزّنبورية ، إذ قال له كيف تقول : « قد كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها ؟ » فقال سيبويه : فإذا هو هي ، ولا يجوز النصب . قال الكسائي لحنت ، العرب ترفع ذلك كله وتنصبه . فدفع سيبويه قوله ، وطال بينهما الجدال ، وكان بالباب نفر من عرب الحطمة النازلين ببغداد ، ممن ليسوا في درجة عالية من الفصاحة ، فطلب الكسائي سؤالهم ، ولما سئلوا تابعوه في رأيه . فانكسر سيبويه كما يقول الرواة ، وإن كنا نتّهم قولهم ، لأن الحق كان في جانبه ، لما يقتضيه القياس في هذا الموضع ، ولأنه يطّرد الرفع فيه في آي الذكر الحكيم من مثل :
( وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) *
( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ) *
( فَإِذا هُمْ خامِدُونَ )
وكأنها هي وما بعدها مبتدأ وخبر . أما النصب فيكون على الحالية