حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظام والأقسام وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة ، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شئ منها قال : إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا . .
وجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار ، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك ، فإن سنح لغيرى علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته للمعلول فليأت بها » « 1 » .
ونحن نسوق طائفة من تعليلاته التي تأخذ شكل سيول متلاحقة في كتاب سيبويه والكتب النحوية المختلفة ، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن الإعراب أصل في الأسماء وأن البناء أصل في الأفعال والحروف وأن الطرفين لا يخرجان عن هذا الأصل إلا لعلة ، أما الأسماء فإنها تبنى حين تعترضها علة شبهها بالحرف ، ويعرب الفعل حين يشبه الاسم على نحو ما أعرب المضارع لشبهه باسم الفاعل من حيث الحركات والسكون مثل أخرج ومخرج وأكتب وكاتب ، وقد ظلت الحروف مبنية لأن شيئا منها لا يشبه الاسم « 2 » . ويعلل لعدم دخول الألف واللام على المنادى ، إذ لا يصح أن يقال : « يا الحارث » مثلا ، بل لا بد أن يقال : « يا أيها الحارث » بتوسط أي ، يقول : إن الألف واللام إنما منعهما أن يدخلا في النداء من قبل أن كل اسم في النداء مرفوع معرفة وذلك أن المتكلم إذا قال : « يا رجل » فمعناه كمعنى : « يا أيها الرجل » وصار معرفة لأنك أشرت إليه وقصدت قصده واكتفيت بهذا عن الألف واللام وصار كالأسماء التي هي للإشارة نحو هذا وما أشبه ذلك وصار معرفة بغير ألف ولام ، لأنك إنما قصدت قصد شئ بعينه ، وصار هذا بدلا في النداء من الألف واللام واستغنى به عنهما كما استغنيت بقولك : « اضرب » عن « لتضرب » وكما صار المجرور ( بالكسرة ) بدلا من التنوين ( أي في حالة الإضافة ) وكما صارت الكاف في رأيتك بدلا من رأيت إياك . وإنما يدخلون الألف واللام ليعرفوك شيئا بعينه
هامش
( 1 ) الإيضاح في علل النحو للزجاجى ص 65 .
( 2 ) الزجاجي ص 77 .