تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ولعله أول من فتح في الإعراب ما يمكن أن نسميه بالاحتمالات ، إذ نراه يعرض في كثير من الأمثلة وجوها مختلفة لإعرابها ، وتتضح آثار ذلك في مواضع من الكتاب ، على نحو ما يلقانا في باب النعت ، إذا كان في تعظيم أو مدح أو ذم ، فقد كان يجيز فيه الاتباع لسابقه ، والقطع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو مفعولا به لفعل محذوف « 1 » ، ونقل عنه سيبويه في قولهم : « هذا رجل صدق معروف صلاحه » أنه يجوز في كلمة « معروف » أن تكون نعتا لرجل ، وأن تكون حالا منصوبة كأن كلمة رجل نالها شئ من التعريف بإضافتها إلى صدق ، وجوّز أن تكون خبرا مقدما لكلمة « صلاحه » « 2 » . ومن يقرأ توابع المنادى في سيبويه يلاحظ توّا أنه هو الذي ردّد الرفع والنصب في بعض أمثلة هذه التوابع كالنعت مثلا فقد جوّز فيه أن يقال « يا زيد الطويل والطويل » بالضم والنصب ، أي حملا على ظاهر المنادى أو على محله . وكذلك الشأن في التوكيد مثل « يا تميم أجمعون أو أجمعين » ومثله البدل ، ونكتفي بهذه القطعة من كلام سيبويه : قال الخليل « إذا قلت يا هذا وأنت تريد أن تقف عليه ثم تؤكده باسم يكون عطفا عليه فأنت فيه بالخيار إن شئت نصبت وإن شئت رفعت وذلك قولك يا هذا زيد ، وإن شئت قلت زيدا ، يصير كقولك ، يا تميم أجمعون وأجمعين ، وكذلك يا هذان : زيد وعمرو ، وإن شئت قلت : زيدا وعمرا ، فتجرى ما يكون عطفا ( أي تابعا ) على الاسم مجرى ما يكون وصفا ، نحو قولك : يا زيد الطويل ويا زيد الطويل » « 3 » . وعلى هذا النحو كان الخليل يكثر من الاحتمالات في وجوه الإعراب للصيغ والألفاظ والعبارات كما كان يكثر من التأويل والتخريج حين يصطدم ببعض القواعد التي يستظهرها ، وهو في تضاعيف ذلك يحلل الألفاظ والكلام تحليلا يعينه على ما يريد من توجيه الإعراب ومن التأويل والتفسير ، ومن طريف تفسيراته ما ذكره سيبويه من أنه سأله عن قوله جلّ وعزّ :
( قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ )
فإن ظاهر العبارة أن غير اللّه منصوبة بتأمرونىّ ، وفي ذلك فساد
هامش
( 1 ) انظر الكتاب 1 / 248 وما بعدها . ( 2 ) الكتاب 1 / 263 . ( 3 ) الكتاب 1 / 307 .
المدارس النحوية — صفحة 45 | شوقي ضيف