تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
فمن تحليله للعبارات تحليله لصيغة التعجب في مثل « ما أحسن عبد اللّه » فقد ذكر أنه بمنزلة قولك شئ أحسن عبد اللّه ودخل ما معنى التعجب ، ويقول إنه تمثيل ولم يتكلم العرب به « 1 » ، ومن ثمّ قال النحاة إن ما نكرة تامة بمعنى شئ وأعربوها مبتدأ ، والجملة بعدها خبر . ومن ذلك قولهم : « هذا القول لا قولك » بنصب « قولك » فقد جعلها مفعولا مطلقا على الرغم من أنها مضافة وقابل بينها وبين قولهم في الاستفهام « أجدّك لا تفعل كذا وكذا » يقول : كأنه قال « أحقّا لا تفعل كذا وكذا » وأصله من الجد ، كأنه قال : « أجدّا » ويقول إن عبارة جدك لا تتصرّف ولا تفارق الإضافة ، إذ هي في حكم الأمثال ، ومثلها « لا قولك » فإنهم لو قالوا : « هذا القول لا قولا » لم يكن في هذا بيان لأنه ليس كل قول باطلا ، ومن أجل ذلك كان لا بد أن يحققوا القول عن طريق الإضافة إلى المخاطب « 2 » . ومن ذلك تحليله للفظة « اللهم » في النداء ، فقد كان يقول إن الميم في آخرها بدل من يا « 3 » ولذلك لا يجمع بينهما . وكان لا يبارى في تحليله للأدوات المبهمة وبيان اختلاف معانيها باختلاف مواقعها من الكلام ، من ذلك ما قاله سيبويه من أنه سأله عن قول العرب : « أما إنه ذاهب وأما أنه منطلق » بكسر إن وفتحها في العبارتين ، فقال : إذا قال القائل « أما أنه منطلق » بالفتح فقد جعله كقولهم « حقّا أنه منطلق » ومعروف أن حقّا مفعول مطلق وأنه منطلق فاعل مؤول . وقال الخليل أما إذا قال القائل : « أما إنه منطلق » بالكسر فإنه بمنزلة قولهم « ألا إنه منطلق » « 4 » . وكان يسعفه في مثل هذا التحليل معرفته الواسعة بلغات العرب وحسّه الدقيق في معرفة مواقع الكلام ، من ذلك أن سيبويه سأله عن قوله عزّ وجل :
( وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ )
في قراءة من قرأ إنها بالكسر ، فقال : ما منعها أن تكون كقولك « ما يدريك أنه لا يفعل » فقال الخليل : لا يحسن ذلك في هذا الموضع ، إنما قال عز وجل :
( وَما يُشْعِرُكُمْ )
ثم ابتدأ ، فأوجب ، فقال
( أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ )
ولو قال :
( وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها )
بالفتح كان ذلك عذرا لهم . ولكن بعض القرّاء قرأها بالفتح ، وذكر له
هامش
( 1 ) الكتاب 1 / 37 . ( 2 ) الكتاب 1 / 189 . ( 3 ) الكتاب 1 / 310 . ( 4 ) الكتاب 1 / 462 .