تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
تقدّمه الخبر وهو الجار والمجرور ، وكأن النابغة ألغاهما لتقدمهما وجعل ناقعا الخبر « 1 » . ومن أقيسته في القراءات أنه كان يقرأ الآية الكريمة :
( يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ )
بنصب كلمة الطير . وكان يقول هو على النداء كما تقول : « يا زيد والحارث » لما لم يمكن القائل : « ويا الحارث » نصب الكلمة ، لأن يا لا تدخل في النداء على المعرّف بالألف واللام . ويروى أنه كان يخالف جمهور القرّاء في قراءة الآية الكريمة :
( هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ )
إذ كان يقرؤها بنصب أطهر على الحال وجعل هن ضمير فصل . ويبدو أنه كان يتوسّع في تقدير العوامل المحذوفة ، من ذلك ما رواه سيبويه عنه من أنه كان يلفظ قولهم : « ادخلو الأول فالأوّل » برفع الكلمتين الأخيرتين على تقدير أنهما مرفوعتان بفعل مضارع محذوف تقديره : « ليدخل » « 2 » . وكأنه لقّن تلميذه الخليل والنحاة من بعده فكرة تقدير العوامل المحذوفة التي عمّموها في كثير من العبارات . ووضع أصلا مهما يدل على دقة حسّه اللغوي هو اختيار النصب في الألفاظ التي جاءت عن العرب في بعض العبارات مرفوعة ومنصوبة « 3 » ، وكأنه أحسّ في وضوح أن العرب تنزع إلى النصب أكثر مما تنزع إلى الرفع لخفته ، فجعل النصب فوق الرفع وعدّه الأساس . وليس ذلك كل ما تحقق للنحو عنده من رقى ، فقد خطا به خطوة كبيرة ، إذ ألف فيه رسائل ومصنفات مختلفة ، اشتهر منها لعصره مصنفان مهمان هما : « الجامع » و « الإكمال » وكأنه جمع مسائل النحو وقواعده في أولهما ثم رأى إكمال تلك القواعد والمسائل في الكتاب الثاني . وقد أقام قواعده في الجامع على الأكثر في كلام العرب وسمى ما شذّ عن ذلك لغات ، ويقال إن سيبويه لما أحضره ليقرأه على الخليل أنشد تنويها به وبالإكمال :
بطل النّحو جميعا كلّه * غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع * فيهما للناس شمس وقمر
وزعم بعض القدماء أن الجامع هو أصل كتاب سيبويه زاد فيه وحشاه بأقوال الخليل ، ولم يصل إلينا الكتاب لنناقش هذا الزعم ونتبين صحته أو فساده .
هامش
( 1 ) كتاب سيبويه 1 / 261 . ( 2 ) الكتاب 1 / 199 . ( 3 ) ابن سلام ص 18 .
المدارس النحوية — صفحة 26 | شوقي ضيف