تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
فهي إذا ابتدأ بها المتكلم في العبارة لزمها الرفع إلا إذا تقدمتها إن وأخواتها ، وإذا تلت فعلا كانت إما مرفوعة وإما منصوبة . ولا يبعد أن يكونوا قد وضعوا لذلك « مصطلحات المبتدأ والفاعل والمفعول » ، ولا يبعد أيضا أن يكونوا لاحظوا اختلافا في كلمات اللغة وأن منها ما يقبل الحركات الثلاث : الضمة والكسرة والفتحة ، وهو الأسماء المعربة ، وأن منها ما يلزم حركة واحدة وقد يلزم السكون ، وسموا الأولى معربة والثانية مبنية . كل ذلك من الممكن وقوعه ، ولكن ليس بين أيدينا ما يثبته إثباتا قاطعا سوى ما تمدنا به طبائع الأشياء ، فالأصل في كل علم أن تبدأ فيه نظرات متناثرة هنا وهناك ، ثم يتاح له من يصوغ هذه النظرات صياغة علمية تقوم على اتخاذ القواعد وما يطوى فيها من أقيسة وعلل . وأول نحوىّ بصرى حقيقي نجد عنده طلائع ذلك هو ابن أبي إسحق الحضرمي المتوفى سنة 117 للهجرة ، وهو ليس من تلاميذ أبى الأسود ، ولكنه من القرّاء ، ومن الملاحظ أن جميع نحاة البصرة الذين خلفوه يسلكون في القراء ، فتلميذاه عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء وتلميذا عيسى : الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب كل هؤلاء من القرّاء . ويكثر سيبويه في كتابه من التعرض للقراءات ، وكأن ما كان بينها من خلافات في الإعراب هو الذي أضرم الرغبة في نفوس قرّاء البصرة كي يضعوا النحو وقواعده وأصوله ، حتى يتبين القارئ مواقع الكلم في آي الذكر الحكيم من الإعراب المضبوط الدقيق . ومعروف أنه لكي يصاغ علم صياغة دقيقة لا بد له من اطراد قواعده وأن تقوم على الاستقراء الدقيق ، وأن يكفل لها التعليل وأن تصبح كل قاعدة أصلا مضبوطا تقاس عليه الجزئيات قياسا دقيقا . وكل ذلك نهض به ابن أبي إسحق وتلاميذه البصريون ، أما من حيث الاطراد في القواعد فقد تشددوا فيه تشددا جعلهم يطرحون الشاذ ولا يعوّلون عليه في قليل أو كثير ، وكلما اصطدموا به خطّأوه أو أوّلوه . وأما من حيث الاستقراء فقد اشترطوا صحة المادة التي يشتقون منها قواعدهم ، ومن أجل ذلك رحلوا إلى أعماق نجد وبوادي الحجاز وتهامة يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التي لم تفسدها الحضارة ، وبعبارة أخرى رحلوا إلى القبائل المتبدية المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة ، وهي قبائل تميم وقيس وأسد