تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدارس النحوية — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الفقه » « 1 » وفي هذا ما يدل على نفاذ بصيرته ، إذ تنبه إلى أن الأساس في كل قاعدة علمية أن تطّرد ، وأن يحكم على كل ما يخالفها بالشذوذ ، لا أن يتّخذ قاعدة مستقلة كما يصنع ذلك الكوفيون فإن ذلك من شأنه أن يعطّل القواعد النحوية والصرفية ويصيبها بالشلل لمجرد وجود بيت شاذ عليها أو كلام محفوظ بأسانيد ضعيفة . وكأنه كان يرى أنه يكفى أن ينصّ على شذوذه ، وأن لا يحاول أحد تأويله أو تخريجه كما كان يصنع أساتذته البصريون ، ويشبّه صنيعهم بصنيع القصّاص وضعفة أصحاب الحديث في تصحيح ما يقوم كذبه أو على الأقل شذوذه بالقياس إلى القواعد الفقهية المقررة . وله آراء نحوية وصرفية كثيرة تداولتها كتب النحو التي جاءت بعده ، منها أنه كان لا يرى ما يراه الجمهور من أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا أو حالا أو نعتا يتعلقان بمحذوف تقديره مستقر أو استقر ، إذ كان يذهب إلى أنهما قسم مستقل بنفسه يقابل الجملتين الاسمية والفعلية « 2 » . وكان جمهور البصريين يذهب إلى أن ليس فعل ناقص لاتصالها بالضمائر مثل لست ولستما ولسن ، وذهب ابن السراج إلى أنها حرف لأنها لا تتصرّف ، أي لا يأتي منها المضارع والأمر « 3 » . ومثلها عسى ، كان يرى أنها حرف لعدم تصرفها كليس ، بينما كان يرى الجمهور أنها فعل لاتصالها بالضمائر مثل عساك وعساه « 4 » . وكان يصحح جواز تقديم خبر كان ولو كان جملة وكذلك توسطه بينها وبين اسمها ، وكان الجمهور يمنع ذلك ، غير أن ابن السراج كان يحتج بتقدم المعمول للخبر في قوله تعالى :
( أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ )
( وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ )
وكان يقول : تقديم المعمول يؤذن بتقدم العامل « 5 » . وكان يجوّز حذف مفعولى ظن وأخواتها ولو لم يكن هناك دليل على حذفهما ، محتجّا بقوله جلّ وعزّ :
( أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى )
أي يعلم وقوله :
( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ )
« 6 » . وكان الجمهور يرى تعليق ظن وأخواتها عن العمل إذا تقدم المفعولين أداة استفهام أو ما وإن النافيتان
هامش
( 1 ) المزهر 1 / 232 . ( 2 ) الهمع 1 / 99 . ( 3 ) المغنى ص 325 والهمع 1 / 10 . ( 4 ) المغنى ص 162 والهمع 1 / 10 . ( 5 ) الهمع 1 / 118 . ( 6 ) الهمع 1 / 152 .
المدارس النحوية — صفحة 143 | شوقي ضيف