« إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها ، وعرفت مواقع كلامها ، وقام في عقولها علله ، وإن لم ينقل عنها ذلك ، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه ، فإن كنت أصبت العلة فهو الذي التمست ، وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام ، وقد صحت عنده حكمة بانيها ، بالخبر الصادق أو البراهين الواضحة والحجج اللائحة ، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال إنما فعل هذا لعلة كذا وكذا ، ولسبب كذا وكذا ، لعلة سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك ، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار ، وجائز أن يكون فعله لغير العلة . . . فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليات به » « 1 » .
وسوف نتعرض لمنهجه في التعليل في الفصل الخاص به ، لنتبين أن التعليل عنده يهدف إلى توضيح أسس القواعد والأحكام التي سنها العرب في كلامهم .
ولقد رسم الخليل للنحاة من بعده منهجا للبحث عن العلل المناسبة ، اعتمادا على الأسس اللغوية البحتة .
وفي بداية القرن الرابع الهجري تسربت إلى المناهج النحوية مذاهب المتكلمين ، وأشكال المنطق الأرسطي ، وأخذ البحث في العلل طابعا يتجاوز التفسير الوصفي لقواعد اللغة . وهذا ما تناوله الزجاجي في كتاب الإيضاح حيث قال : « إنها على ثلاثة أضرب : علل تعليمية وعلل قياسية ، وعلل جدلية » « 2 » .
فالتعليمية يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب ، لأننا لم نسمع كل كلامهم .
وسمعنا بعضا وقسنا عليه نظيره ؛ وذكر من هذا القبيل صيغ اسم الفاعل .
وأحكام الرفع والنصب بالنواسخ . وهو ما يطلق عليه « العلل الأول » جوابا لمن قال بم رفعتم ونصبتم في مثل « إن زيدا قائم » ؟
هامش
( 1 ) الزجاجي : الإيضاح ، ص 65 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 64 .