ومن مظاهر بصريته تشدده في لغة السماع حتى قال بشذوذ بعض القراءات السبعية المروية عن حمزة وابن عامر ، وقوله إن لغة أهل الوبر أصح من لغة أهل المدر ، وهو تلميح واضح لتوهين مواقف الكوفيين ، كما أنه اجتهد في وضع ضوابط القياس الذي يعتبره من أساس صنعته ، لأنه كان يقول قد أخطئ في خمسين مسألة من اللغة ولا أخطئ في واحدة من القياس « 1 » . ويقول تلميذه ابن جني « ما كان أقوى قياسه وأشد بهذا العلم اللطيف ، أنه فكأنه إنما كان مخلوقا له » « 2 » .
هذا ومع العناية الخاصة التي يعطيها للقياس ، بحيث أنه يتابع غالبا أبا عثمان في تصوره للقياس ومن المعروف أن المازني يقول إن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب « 3 » ، فإنه لا يتصوره إلا على سماع صحيح ومطرد .
ومن الضوابط التي أوضحها في العلاقة بين السماع والقياس ، قوله إنه يوجد في كلام العرب ، ما هو مطرد في الاستعمال ، شاذ في القياس ، كما يوجد العكس . ومنه ما حذف منه في الضرورة ما لا يستحسن حذفه في حالة السعة فمن القسم الأول قولهم « عسى الغوير أبؤسا » « 4 » فالقياس يقتضي أن يخبر عن عسى بالمضارع ، ويقولون « استحوذ » والقياس أن يقولوا « استحاذ » « 5 » ولكن العدول عن السماع خطأ فاحش . أم المطرد في القياس الشاذ في الاستعمال فقد مثل له بترك استعمال الماضي من « يدع » و « يذر » « 6 » ومما استعمل في الضرورة قول الشاعر :
وقبيل من لكيز شاهد * رهط مرجوم ورهط ابن المعل « 7 »
هامش
( 1 ) الخصائص : 2 / 88 .
( 2 ) المصدر نفسه : 1 / 277 .
( 3 ) المصدر نفسه : 1 / 357 .
( 4 ) المسائل العسكرية : 146 .
( 5 ) المصدر نفسه : 144 .
( 6 ) المصدر نفسه : 136 .
( 7 ) المصدر نفسه : 203 .