ولما سمع منه الجواب قال : « إن الذين رأسوك ، رأسوك باستحقاق » « 1 » .
والمنافسة بين مدرستي البصرة والكوفة ، تجعلنا نعتقد أن الكسائي حاول أن يقوم بالدور الذي اضطلع به الخليل في إرساء قواعد النحو . ولعله كان المثال الذي أراد أن يحتذى به ، ذلك أنه بعد لقائه به ، أراد أن يقوم بالرحلة العلمية ليأخذ المادة اللغوية غضة من أفواه بداة العرب فأنقد خمس عشرة قنينة من مداده في الكتابة عنهم ، وعاد بعد موت الخليل وعرض ثروته اللغوية على يونس ، حتى أحس في نفسه برتبة الرئاسة في هذا الفن ، فلا جرم أن تكون إضافته في النحو تتمثل في زيادة السماع ، واعتبار ما سمعه يدخل في القواعد الأصلية التي يجوز القياس عليها .
ولعله أول من اهتم بتعليل أوجه القراءة ، وربط هذا التعليل بالقياس النحوي ، ونذكر أن له كتابين في هذا الموضوع وهما : معاني القرآن ، وكتاب القراءات .
وفقد جلّ كتبه يجعل من الصعب تصور مذهبه الشامل ، ويبقى المصدر الأساس عنده ، ما يروي عنه تلميذه الفراء ، ودراسة قراءاته الخاصة به . ومن الإشارة التي تومئ إلى رأيه في توثيق الصلة بين النحو والقراءة قوله في قصيدته التي منها :
إنما النحو قياس يتبع * وبه في كل علم ينتفع
وإذا ما أبصر النحو الفتى * مر في المنطق مرا فاتسع
وإذا لم يبصر النحو الفتى * هاب أن ينطق جبنا فانقطع
يقرأ القرآن لا يعرف ما * صرف الإعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرؤه * وإذا ما شك في حرف رجع
ناظرا فيه وفي إعرابه * فإذا ما عرف اللحن صدع
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، ج 3 ص 265 .