أمير المؤمنين ، وتكشف رأسك ؟ واللّه لخطأ الكسائي مع أدبه أحب إلينا من صوابك مع سوء فعلك . فقال : لذة الغلبة أنستني من هذا ما أحسن « 1 » .
وإنصافا منا لليزيدي ، فلابد أن نذكر قوله في رثاء الفقيه محمد بن الحسن الشيباني والكسائي في أبيات منها :
أسيت على قاضي القضاة محمد * فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وأوجعني موت الكسائي بعده * وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل عيش ولذة * وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمان أوديا وتخرما * وما لهما في العالمين نديد « 2 »
واعترف اليزيدي لخصمه ومنافسه في محله ، حيث أن أبا بكر الأنباري يقول : « اجتمعت للكسائي أمور لم تجتمع لغيره فكان واحد الناس في القرآن يكثرون عليه حتى لا يضبط الأخذ عليهم فيجمعهم ويجلس على كرسي ويتلو القرآن كاملا وهم يستمعون ، حتى كان بعضهم ينقط المصاحف على قراءته ، وآخرون يتابعون مقاطعه ومبادئه فيرسمونها في ألواحهم وكتبهم ، وكان أعلم الناس بالنحو وواحدهم في الغريب » « 3 » .
ويقول الشافعي عنه : « من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي « 4 » ، ويذكر الفراء أنه مرة أعجب بعمله ، ورأى في نفسه المقدرة على مناظرة أستاذه الكسائي ، ولما استثاره صار كمن يريد أن يغرف البحر بمنقاره « 5 » ، وقيل إن يونس في البصرة ، سأله عن قول الشاعر :
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة * حصين عبيطات السّدائف والخمر
هامش
( 1 ) الأمالي الزجاجي ، ص 40 .
( 2 ) طبقات النحويين للزبيدي ، ص 130 .
( 3 ) إنباه الرواة ، ج 3 ص 264 .
( 4 ) المصدر نفسه ، ج 3 ص 260 .
( 5 ) المصدر نفسه ، ج 3 ص 264 .