تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
كأنّ الهاء معدومة ، وكأنه يقول : ردّوا ، وقالوا : ردّها ، بالفتح ، كأنهم يقولون : ردّا ، ولا اعتداد بالهاء . فقول من قال : زرّه ، و : زرّه ، و : زرّه ، خطأ لا يجوز . فكيف يورد في الفصيح ، وهو لحن . فكما أنهم لم يعتدوا بالهاء في هذا ، لم يعتدوا بالنون في ( منذ ) و ( منتن ) فضموا . وأما إذا كانا اسمين ، فإنهما بنيا لتضمنهما معنى ( من ) و ( إلى ) إذا كان ما بعدهما مبهمين . أو ( من ) وحدها ، إذا كانا لأول الوقت . فكما أن ( كم ) و ( من ) بنيا لتضمنهما معنى [ الحرف ] « 1 » ، فكذا هاهنا . وتقول : لم أره مذ قيامك ، ومذ قام زيد ، ومذ أنّ اللّه خلقني ، ومذ قدم زيد . فتوقع الفعل ، والمصادر ، هاهنا . فيزعم الفارس « 2 » : أن المبتدأ مراد . والتقدير : مذ يوم قدم فلان ، ومذ وقت قيامك ، فحذف . وابن السري يزعم : أن ( مذ قام ) إنما جاز ، لدلالة الفعل على الزمان . والأول أوجه . ولا تقول : ما رأيته مذ عبد اللّه ، لأنه ليس بزمان . وقالوا : مذ الحجاج الخليفة . لأن وقته معلوم ، أي : مذ زمن الحجاج . وتقول : ما رأيته مذ يوم الجمعة ، ويوم السبت ، تنصب ( يوم السبت ) بالحمل على موضع ( مذ ) إذ موضعه [ 90 / أ ] منصوب على الظرف . قال : و ( مذ ) إن لقيها ساكن ، ضمت الذال ، لأن أصله ( منذ ) . والحرف إذا كان له أصل في الحركة ، ثم سكن ، ثم احتيج إلى تحريكه ، روجع الأصل ، وردّ إليه ما كان في الأصل . ألا ترى أنه يقال : ذهبتم الآن في : ذهبتم ، فتضم الميم ، لالتقاء الساكنين ، لأن أصله ( ذهبتمو ) فكذا هاهنا . ولهذا قرأ الأكثرون :
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
« 3 » ، بضم الميم ، لأن أصل ( عليهم ) ( عليهمو ) فردّه عند التقاء الساكنين إلى الضم . فأما قراءة أبي عمرو : ( عليهم الذّلّة ) ، بكسر الميم « 4 » ، فليس على أنه اعتقد في ( عليهم ) أن أصله ( عليهمي ) فسترى ذلك إن شاء اللّه تعالى .

باب حتى

اعلم أن ( حتى ) من عوامل الأسماء ، دون الأفعال . وعملها في الأسماء : الجر ، إذا كانت للغاية . نحو قولك : أكلت السمكة حتى رأسها ، أي : إلى رأسها ، قال اللّه تعالى :
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
( 5 ) « 5 » . ف ( حتى ) في هذه الآية : حرف جر . ولا بد لها من شيء يتعلق بها . وليس في الكلام لها متعلق إلا شيئان : أحدهما : قوله : سلام . والآخر ( هي ) . ولا يسهل تعلقه بسلام ، لأن ( سلاما ) مصدر ، ولا يتعلق بالمصدر شيء ، وقع الفصل بينه وبين المصدر . وهي : مبتدأ . وسلام : خبره . وقد وقع ( هي ) بينه وبين ما يتعلق به ، فلا يسهل ذلك ، ولا يتعلق ب ( هي ) إذ لا يصح : هي حتى مطلع الفجر ، لأنه لا معنى للفعل فيه . ولكن ، لما كان قوله : ( سلام ) : مصدرا ، بمعنى :
هامش
( 1 ) الأصل غير واضح . ( 2 ) أي : أبو علي ، الفارسي . المقتصد 2 : 855 . ( 3 ) 2 : سورة البقرة 61 . ( 4 ) الحجة - لأبي علي 1 : 43 ، والمحتسب 1 : 232 ، والتيسير 19 ، وغيث النفع 51 . ( 5 ) 97 : سورة القدر 5 .
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 235 | علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم ) / محمد خليل مراد الحربي