تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قوله [ 62 / أ ] ( بما لم يفعلوا ) فلما طال الفاعل بالصلة ، أعاد الفعل ، فقال :
( فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ )
فأعاد مع المفعولين ذكر الفعل ، والفاعل . فعلى هذه القراءة ، لا بد من ضم الباء في ( تحسبنّهم ) « 1 » . الثاني ، لأن الفاعل فيها مستكنّ . وأما من قرأ بالتاء « 2 » ، فالذين يفرحون : المفعول الأول . وقوله : ( بمفازة ) هو المفعول الثاني ، إلا أنه كرر الفعل لما طال المفعول الأول بالصلة . والفاء في كلا القراءتين زائدة ، إذ لا وجه للعطف ، ولا للشرط ، من حيث إنّ المفعول الثاني لا يعطف على الأول ، ولا يعطف المفعولان على الفاعل . وأما الشرط ، فلا إشكال فيه ، أنه ليس هناك ما يتضمن الشرط . [ والثاني ] : من خواص هذا الباب : أنّ الفعل يلغى ، إذا توسط ، أو تأخر . كقولك : زيد ، أظن ، قائم . وزيد قائم ، أظن . والإعمال ، حالة التوسط ، أحسن ، والإلغاء ، حالة التأخر ، أحسن . فأما إذا تقدم الفعل ، نحو : أظن زيدا قائما ، فلا يجوز الإلغاء . وإنما جاز الإلغاء في هذا الباب ، لأن الكلام يصير مفيدا بعد الإلغاء ، كما كان مفيدا قبله . فأما إذا تقدم فقد قصدت إليه ، فلا بد من إعماله ، وإن لم يكن له تأثير ، وقد يجرى مجرى القسم . أعني هذه الأفعال . فتعامل معاملة القسم ، ولا يوهمنك ذلك ، أنه ملغى . فما جاء من قراءة من قرأ :
( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ )
« 3 » بكسر الألف ، و
( لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ )
« 4 » بكسر الألف ، فإن هذا محمول على القسم ، فتلقّي بما يتلقّى به القسم من ( إنّ ) وغيره . ألا ترى أنه قد جاء :
وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
« 5 » فيمن وصل ، ولم يقف . وهم : غير الأنباري ، وسهل ، وكذلك :
آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ
« 6 »
( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ )
« 7 » . [ وقال الشاعر ] :
160 - ولقد علمت : لتأتينّ منيّتي * إنّ المنايا ، لا تطيش سهامها « 8 »
فهذه الأشياء جارية مجرى القسم ، وما بعدهن أجوبة لها ، كما تكون أجوبة للقسم . قال أبو الحسن « 9 » : إذا لم تعدّ هذه الأفعال ، فقبيح أن لا تجرى مجرى القسم . ولهذا المعنى ، لم يحسن وقف الأنباري ، وسهل على قوله : ( وظنّوا ) لأنه لما وقف ، ولم يعدّ ، وجب أن يجاب بجواب القسم . وكأنه قال : وضل عنهم ما كانوا يدعون [ 62 / ب ] من قبل ، وظنوا ، وأيقنوا ، وعلموا ، حتى صار كأنهم أقسموا : ( ما لهم من محيص ) .
هامش
( 1 ) وهي قراءة : الضحاك ، وعيسى بن عمر . تفسير القرطبي 4 : 307 ، والبحر المحيط 3 : 137 . ( 2 ) وهم : عاصم ، وحمزة ، والكسائي . السبعة 220 ، وحجة القراءات 186 . ( 3 ) 7 : سورة الأعراف 30 ، لم أقف على من قرأ بكسر الألف . ( 4 ) 3 : سورة آل عمران 178 ، وهو : يحيى بن وثاب . إعراب القرآن - للنحاس 1 : 379 ، 380 ، وتفسير القرطبي 4 : 288 . ( 5 ) 41 : سورة فصلت 48 . ( 6 ) 41 : سورة فصلت 47 . ( 7 ) 2 : سورة البقرة 102 . ( 8 ) سبق ذكره ( 119 ) . ( 9 ) أي : الأخفش .