أبل ؛ فحذفوا الكسرة لكثرة الاستعمال ، ولم يقولوا في « لم أوال » : لم أول ، ولا في « لم أعال » : لم أعل ؛ لأنه لم يكثر استعماله ، وكذلك قالوا في « أيّ شيء » :
أيش - بالشين معجمة - لكثرة استعماله ، ولم يقولوا في « أيّ سئ » : أيس - بالسين غير معجمة - لقلة استعماله ، وقالوا « عم صباحا » في أنعم صباحا ؛ لكثرته ، ولم يقولوا « عم بالا » في أنعم بالا ؛ لقلّته ، وقالوا « ويلمّه » في : ويل أمّه ، ولم يقولوا في « ويلخته » في ويل أخته ؛ لقلته ، فلما حذفت اللام وحرف المضارعة في محل الخلاف من جميع الأفعال التي تكثر في الاستعمال والتي تقل في الاستعمال دل على أن ما ادّعوه من التعليل ليس عليه تعويل ، ثم لو قدرنا أن الأصل فيه ما صرتم إليه إلا أنه قد تضمن معنى لام الأمر ، فإذا تضمن معنى لام الأمر فقد تضمن معنى الحرف ، وإذا تضمن معنى الحرف وجب أن يكون مبنيا . ثم نقول : إن علة وجود الإعراب في الفعل المضارع وجود حرف المضارعة ، فما دام حرف المضارعة ثابتا كانت العلة ثابتة ، وما دامت العلة ثابتة سليمة عن المضارعة كان حكمها ثابتا ؛ ولهذا كان قوله تعالى :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 10 ] معربا ، وقوله صلوات اللّه عليه « ولتزرّه » و « لتأخذوا » و « لتقوموا » وما أشبهه معربا لوجود حرف المضارعة ، ولا خلاف في حذف حرف المضارعة في محل الخلاف ، وإذا حذف حرف المضارعة - وهو علة وجود الإعراب فيه - فقد زالت العلة ؛ فإذا زالت العلة زال حكمها ، فوجب أن لا يكون فعل الأمر معربا .
وأما قولهم « إن فعل النهي معرب مجزوم ، فكذلك فعل الأمر ؛ لأنهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره » قلنا : حمل فعل الأمر على فعل النهي في الإعراب غير مناسب ؛ فإن فعل النهي في أوله حرف المضارعة الذي أوجب للفعل المشابهة بالاسم ، فاستحق الإعراب ، فكان معربا [ 220 ] وأما فعل الأمر فليس في أوله حرف المضارعة الذي يوجب للفعل المشابهة بالاسم ؛ فيستحق أن لا يعرب ؛ فكان باقيا على أصله في البناء .
والذي يدلّ على ذلك أن لام التأكيد التي تدخل على الفعل المضارع في نحو « إنّ زيدا ليقوم » كما تقول « إنّ زيدا لقائم » لا يجوز دخولها على فعل الأمر ، كما لا يصح دخولها على الفعل الماضي ، وإن كان الماضي أقوى من فعل الأمر بدلالة الوصف به ، والشرط به ، وبنائه على حركة تشبه حركة الإعراب [ و ] بدليل أنه لا يلحق آخره هاء السكت ، كما لا يلحق آخر الاسم المعرب ، وإذا كان الماضي لا تدخله هذه اللام مع وجود شبه مّا بالأسماء فلأن لا تدخل هذه اللام فعل الأمر مع عدم شبه مّا بالأسماء كان ذلك من طريق الأولى ، وإذا ثبت أنها لا تدخله دلّ على أنه لا مشابهة بينه وبين الاسم ، وإذا لم يكن بينه وبين الاسم مشابهة كان مبنيّا على أصله .