تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
أي : ونصفه ، والشواهد على هذا النحو من كتاب اللّه تعالى وكلام العرب أكثر من أن تحصى . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الأصل في « أو » أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام ، بخلاف الواو وبل ؛ لأن الواو معناها الجمع بين الشيئين ، وبل معناها الإضراب ، وكلاهما مخالف لمعنى أو ، والأصل في كل حرف أن لا يدل إلا على ما وضع له ، ولا يدل على معنى حرف آخر ؛ فنحن تمسكنا [ 199 ] بالأصل ، ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل ، ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل ، ولا دليل لهم يدل على صحة ما ادعوه . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقوله تعالى :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
[ الصافات : 174 ] فلا حجّة لهم فيه ، وذلك من وجهين ؛ أحدهما : أن يكون للتخيير ، والمعنى أنهم إذا رآهم الرائي تخير في أن يقدرهم مائة ألف ، أو يزيدون على ذلك ، والوجه الثاني : أن يكون بمعنى الشك ، والمعنى أن الرائي إذا رآهم شك في عدّتهم لكثرتهم ، أي : أن حالهم حال من يشك في عدّتهم لكثرتهم ؛ فالشك يرجع إلى الرائي ، لا إلى الحق تعالى ، كما قال تعالى :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
[ البقرة : 175 ] بصيغة التعجب ، والتعجب يرجع إلى المخاطبين ، لا إلى اللّه تعالى ، أي : حالهم حال من يتعجب منه ؛ لأن حقيقة التعجب في حق الحق لا تتحقق ؛ لأن التعجب إنما يكون بحدوث علم بعد أن لم يكن ، ولهذا قيل في معناه : التعجب ما ظهر حكمه وخفي سببه ، والحق تعالى عالم بما كان ، وبما يكون ، وبما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ، وكما أن التعجب يرجع إلى الخلق لا إلى الحق ، فكذلك هاهنا .
شرح
- النحاة ، فإن الذي تعودوا أن يقولوه : إن المحذوف هو الحرف العاطف والمعطوف به ، كما في الآية الكريمة التي تلاهافَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْالتقدير : فضرب فانفجرت ، فالمحذوف الذي قدره هو فاء العطف والفعل الذي تعطفه هذه الفاء على ما قبله ، فأما ما قدره في البيت فهو معطوف على اسم مذكور بحرف مذكور وعاطف آخر لاسم مذكور على المعطوف المحذوف ، وهذا شيء عجيب أوقعه فيه التعصب للبصريين ، ولو سلمنا أن ذلك جائز لما صلح أيضا ؛ لأن مراد النابغة أن يصف هذه الفتاة بدقة النظر وسرعة الحساب فكيف يتفق ذلك مع شكّها فيما تتمناه هذا ما ظهر لي . والنّحاة يستشهدون بهذا البيت أيضا على أن ليت إذا اتصلت بها ما الزائدة لم تخرجها عما استقر لها من الاختصاص بالجمل الإسمية ، وأن الأكثر فيها مع الاتصال بما إعمالها في الاسم والخبر ، وهم يروون قوله « ألا ليتما هذا الحمام » بنصب الحمام على الإعمال ، وبرفعه على الإهمال .