تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
وإن لم يكن هناك شكّ ولا شبهة ، وإذا كانوا يخرجون الكلام مخرج الشكّ وإن لم يكن هناك شك لم تخرج « أو » عن أصلها . وأما قول اللّه تعالى : [ 200 ]
وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
[ الإنسان : 24 ] فلا حجة لهم فيه ؛ لأن « أو » فيها للإباحة ، أي : قد أبحتك كلّ واحد منهما كيف شئت ، كما تقول في الأمر « جالس الحسن أو ابن سيرين » أي : قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت ، والمنع بمنزلة الإباحة ، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له ، فكذلك لا يقدم على شيء نهيته عنه ، وأما قول الآخر :
* . . . أو نصفه فقد * [ 302 ]
فنقول : الرواية « ونصفه فقد » بالواو ؛ فلا يكون لكم فيه شاهد ، ولو سلمنا أن الرواية على ما رويتموه فنقول : « أو » فيه باقية على أصلها ، وهو أن يكون التقدير فيه : ليتما هذا الحمام أو هو ونصفه ، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف ، كقوله تعالى :
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[ البقرة : 60 ] أي : فضرب فانفجرت ، وعلى هذا التقدير قول الشاعر : [ 305 ]
* ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث *
أي : شهرين أو شهرين ونصف ثالث ، ألا ترى أنك لا تقول مبتدئا « لبثت نصف ثالث » وإذا وجب أن يكون المعطوف عليه محذوفا كانت باقية على أصلها ، فدل على صحة ما ذهبنا إليه ، واللّه أعلم .
شرح
- هذا النوع من الكلام تجاهل العارف ، وهو نظير ما ذكرناه في البيت السابق ، ونظير هذين البيتين قول أبي الطيّب المتنبي :أتراها لكثرة العشاق * تحسب الدمع خلقة في المآقي ؟وقول التهامي يشكو السهر :قصرت جفوني أم تباعد بينها * أم مقلتي خلقت بلا أشفار ؟وقول مهيار الديلمي :سلا ظبية الوادي - وما الظبي مثلها * وإن كان مصقول الترائب أكحلا - أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى * وعلمت غصن البان أن يتميلا ؟[ 305 ] لم أقف لهذا الشاهد على تكملة ، ولا على سوابق أو لواحق تتصل به ، ولا على نسبة إلى قائل معين ، والاستشهاد به في قوله « أو نصف ثالث » فإنه على تقدير حذف معطوف وحرف عطف ، وأصل الكلام : ألا فالبثا شهرين أو شهرين ونصف شهر ثالث ، وقد بيّنا لك رأينا في هذا التقدير في شرح الشاهد رقم 302 .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 395 | أبو البركات بن الأنباري