تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
والذي يدل على أن « إنسان » مأخوذ من النّسيان أنهم قالوا في تصغيره « أنيسيان » فردّوا الياء في حال التصغير ؛ لأن الاسم لا يكثر استعماله مصغرا كثرة استعماله مكبّرا ، والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها ، فدلّ على ما قلناه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن وزنه فعلان لأن « إنسان » مأخوذ من الإنس ، وسمّي الإنس إنسا لظهورهم ، كما سمّي الجنّ جنّا [ 342 ] لاجتنانهم أي استتارهم ، ويقال « آنست الشيء » إذا أبصرته ، قال اللّه تعالى :
آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً
[ القصص : 29 ] أي : أبصر ، وكما أن الهمزة في الإنس أصلية ولا ألف ونون فيه موجودتان ؛ فكذلك الهمزة أصلية في إنسان ، ويجوز أن يكون سمّي الإنس إنسا لأن هذا الجنس يستأنس به ويوجد فيه من الأنس وعدم الاستيحاش ما لا يوجد في غيره من سائر الحيوان ، وعلى كلا الوجهين فالألف والنون فيه زائدتان ؛ فلهذا قلنا إن وزنه فعلان . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن الأصل في إنسان إنسيان ، إلا أنهم لما كثر في كلامهم حذفوا منه الياء لكثرة الاستعمال ، كقولهم أيش في أي شيء وعم صباحا في أنعم صباحا وويلمه في ويل أمه » قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان يجوز أن يؤتى به على الأصل ، كما يجوز أن تقول : أيّ شيء ، وأنعم صباحا ، وويل أمه - على الأصل ؛ فلما لم يأت ذلك في شيء من كلامهم في حالة اختيار ولا ضرورة دل على بطلان ما ذهبتم إليه . وأما قولهم « إنهم قالوا في تصغيره أنيسيان » قلنا : إنما زيدت هذه الياء في أنيسيان على خلاف القياس ، كما زيدت في قولهم « لييلية » في تصغير ليلة ، و « عشيشية » في تصغير عشيّة ، وكقولهم على خلاف القياس « مغيربان » في تصغير مغرب ، و « رويجل » في تصغير رجل ، إلى غير ذلك مما جاء على خلاف القياس ؛ فلا يكون فيه حجّة ، واللّه أعلم .