تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
من كلامهم إلا في بيت واحد أنشده قطرب : [ 449 ]
فإنّك لا تدري متى الموت جائيء * ولكنّ أقصى مدّة الموت عاجل
شرح
[ 449 ] هذا البيت من شواهد الأشموني ( رقم 38 ) وروى صدره « لعمرك ما تدري متى الموت جائي » وحفظي في عجزه « أقصى مدة العمر » و « لعمرك » - بفتح العين هنا وسكون الميم - اللام فيه لتوكيد الابتداء ، والخبر محذوف وجوبا ، أي لعمرك قسمي ، أو لعمرك ما أقسم به ، وإذا لم تدخل عليه اللام نصبته نصب المصادر ، كما قال عمر بن أبي ربيعة :أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيان ؟و « تدري » أي تعلم ، و « عاجل » قريب . ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « جائىء » واعلم أولا أن هذه الكلمة تروى بهمزتين وتروى بهمزة فياء متحركة بحركة الإعراب وهي الضمة ، واعلم ثانيا أن الأصل الأصيل في هذه الكلمة « جايىء » بياء ثم همزة ، لأنه اسم الفاعل من جاء يجيء مثل باع يبيع ، فانقلبت ياؤه همزة لوقوعها عين اسم فاعل فعل أعلت فيه ، أو لكونها بعد ألف زائدة ، فصار « جائىء » بهمزتين والقياس في مثل ذلك أن تقلب الهمزة المتطرفة ياء لكونها ثانية همزتين في موقع اللام من الكلمة فيقال « جائي » والنحاة يروونه على هذه الصورة ويحرّكون الياء بالضمة ، ويقولون : إن الشاعر عامل حرف العلّة معاملة الحرف الصحيح ، وبعبارة أخرى : إن الشاعر عاود الأصل المهجور ، ورجع إليه ، وترك الفرع الذي صار إليه العمل - وهو تقدير الضمة والكسرة على الياء أو الواو لثقل كل من الضمة والكسرة على كل من الواو والياء - وهذا الرجوع ضرورة من ضرورات الشعر ، ونظيره قول جرير بن عطية يهجو الفرزدق :وعرق الفرزدق شر العروق * خبيث الثرى كأبي الأزندفقد جاء بقوله « كأبي » مرفوعا ، وعامل الياء معاملة الحرف الصحيح فلم يقدر عليها الضمة ، ونظيره قول الآخر :تراه - وقد بد الرماة - كأنه * أمام الكلاب عنهم مصغي الخدالرواية برفع « مصغي » بضمة ظاهرة على الياء على أنه خبر « كأن » . ونظيره قول القطامي :ما للعذارى ؟ ودعن الحياة كما * ودعنني ، واتخذن الشيب ميعاديمحل الاستشهاد قوله « ما للعذارى » فقد جاء بكسر الياء ، والكسرة أخت الضمة كما قلنا ، ونظير ذلك في الفعل قول الشاعر :إذا قلت علّ القلب يسلو قيضت * هواجس لا تنفك تغريه بالوجدالشاهد فيه قوله « يسلو » فقد جاء الشاعر بهذا الفعل مرفوعا بضمة ظاهرة على الواو ، ومثله قول الآخر :فقمت إلى عنز بقية أعنز * فأذبحها ، فعل امرئ غير نادم فعوضني منها غناي ولم تكن * تساوي عندي غير خمس دراهمالشاهد في قوله « تساوي » حيث جاء الشاعر بهذا الفعل مرفوعا بالضمة الظاهرة ولم يبال بأن الضمة ثقيلة على الياء ، من قبل أن الأصل الأصيل هو أن تظهر حركات الإعراب على الحروف متى أمكن أن تظهر عليها . -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 600 | أبو البركات بن الأنباري