أي : ما قتلت إلا مسلما ، وهو في كلامهم أكثر من أن يحصى .
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنها مخففة من الثقيلة لأنا وجدنا لها في كلام العرب نظيرا ، وأنّا أجمعنا على أنه يجوز تخفيف « إنّ » وإن اختلفنا في بطلان عملها مع التخفيف ، وقلنا : إن اللام لام التأكيد ؛ لأن لها أيضا نظيرا في كلام العرب ، وكون اللام للتأكيد في كلامهم مما لا ينكر لكثرته فحكمنا على اللام [ 265 ] بما له نظير في كلامهم ، فأما كون اللام بمعنى « إلا » فهو شيء ليس له نظير في كلامهم ، والمصير إلى ما له نظير في كلامهم أولى من المصير إلى ما ليس له نظير .
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بالآيات وما أنشدوه على أن « إن » بمعنى « ما » واللام بمعنى « إلا » فلا حجة لهم في شيء من ذلك ؛ لأنه كله محمول على ما ذهبنا [ إليه ] من أن « إن » مخففة من الثقيلة ، واللام لام التأكيد ، والذي يدل على ذلك أنّ « إن » التي بمعنى ما لا تجيء اللام معها ، كما قال اللّه تعالى :
إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
[ الملك : 20 ] وكما قال اللّه تعالى :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
[ يس : 15 ] وكما قال اللّه تعالى :
إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ
[ الفرقان : 4 ] إلى غير ذلك من المواضع ، ولم تجيء مع شيء منها اللام .
فأما قولهم : « إن اللام في
لَيَسْتَفِزُّونَكَ
و
لَيُزْلِقُونَكَ
و
لَيَقُولُونَ *
و
لَمَفْعُولًا
إلى غير ذلك من المواضع بمنزلة إلا في هذه المواضع » قلنا : هذا فاسد ؛ لأنه لو جاز أن يقال « إن اللام تستعمل بمعنى إلّا » لكان ينبغي أن يجوز « جاءني القوم لزيدا » بمعنى إلا زيدا ، فلما لم يجز ذلك دل على فساد ما ذهبتم
شرح
- الكوفيين ذهبوا إلى أن إن في هذه العبارة نافية بمعنى ما ، واللام التي في قوله « لمسلما » استثنائية بمعنى إلا ، وكأن الشاعر قد قال : ما قتلت إلا مسلما ، وتجد في كلام بعض النحاة - منهم الرضي والزمخشري وابن هشام - ما يفيد أن الكوفيين يستدلون بهذا البيت على أنه يجوز أن يقع بعد إن المخففة من الثقيلة الفعل الماضي غير الناسخ ، وهو كلام غير مبنيّ على التحقيق ، والتحقيق أن جمهور الكوفيين لا يقولون بأن إن تكون مخففة من الثقيلة أصلا ، والكسائي يقول : إذا وليها جملة اسمية جاز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وإذا وليها فعل فهي نافية واللام بعدها بمعنى إلا ، فإن في هذا البيت نافية عند الكوفيين كلهم أجمعين ؛ لأن الوالي لها فعل ، وقد تنبه لهذا الشيخ خالد فأنكر كلام ابن هشام ، وأما البصريون فيرون « إن » في هذا البيت مخففة من الثقيلة ، واللام التي بعدها لام فارقة بين الكلام المنفي والكلام المثبت المؤكد ، نعني أنها تدخل الكلام في حال إهمال إن المخففة لتكون فارقة بينها وبين إن النافية ، وهم يختلفون في هذه اللام : أهي لام الابتداء التي تدخل لتفيد الكلام زيادة توكيد أم هي لام أخرى ؟ وليس هذا موضع الإفاضة في هذا الموضوع .