تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
أي : آنف ، ومعنى الآية أنّا أول الآنفين أن يقال للّه ولد ، وقيل : أول العابدين ، أي : أول من عبد اللّه وحده ، وقيل : المعنى كما أني لست أول من عبد اللّه فكذلك ليس للّه ولد ، كما يقال : إن كنت كاتبا فأنا حاسب ، يريد إنك لست [ 264 ] بكاتب ولا أنا حاسب ، على أنا نقول : ولم قلتم إنها إذا كانت في موضع ما بمعنى « ما » ينبغي أن تكون هاهنا ؟ قولهم : « جمع بينها وبين ما لتوكيد النفي كما جمع بين إنّ واللام لتوكيد الإثبات » قلنا : لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يصير الكلام إيجابا ؛ لأن النفي
شرح
- قيل معنى قوله « عبدا » أي أنفا ، يقول : أنف أن تفوته الدرة . قال ابن منظور : « وفي التنزيلقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَويقرأ ( العبدين ) قال الليث : العبد - بالتحريك - الأنف والغضب والحمية من قول يستحيا منه ويستنكف ، ومن قرأ ( العبدين ) فهو مقصور ، من عبد يعبد فهو عبد ، وقال الأزهري : هذه آية مشكلة ، وأنا ذاكر أقوال السلف فيها ، ثم أتبعها بالذي قال أهل اللغة ، وأخبر بأصحها عندي ، أما القول الذي قاله الليث في قراءة ( العبدين ) فهو قول أبي عبيدة ، على أني ما علمت أحدا قرأ ( فأنا أول العبدين ) ولو قرىء مقصورا كان ما قاله أبو عبيدة محتملا وإذ لم يقرأ به قارىء مشهور لم نعبأ به ، والقول الثاني : ما روي عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية ، فقال : معناه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ، يقول : فكما أنني لست أول من عبد اللّه فكذلك ليس للّه ولد ، وقال السدي : قال اللّه لمحمد : قل إن كان - على الشرط - للرحمن ولد كما تقولون لكنت أول من يطيعه ويعبده : وقال الحسن وقتادة : إن كان للرحمن ولد ، على معنى ما كان ، فأنا أول العابدين : أي أول من عبد اللّه من هذه الأمة ، وقال الكسائي( إِنْ كانَ )أي ما كان للرحمن ولد( فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ )أي الآنفين ، رجل عابد وعبد وآنف وأنف ، أي الغضاب الآنفين من هذا القول ، وقال : فأنا أول الجاحدين لما تقولون ، ويقال : أنا أول من تعبده على الوحدانية مخالفة لكم ، وقال ابن الأنباري( إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ )ما كان للرحمن ولد ، والوقف على ولد ، ثم ابتدىء( فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ )له على أنه لا ولد له ، قال الأزهري : قد ذكرت الأقوال ، وفيه قول أحسن من جميع ما قالوا ، وأسوغ في اللغة وأبعد من الاستكراه ، وأسرع إلى الفهم ، روي عن مجاهد أنه قال : « إن كان للّه ولد في قولكم فأنا أول من عبد اللّه وحده وكذبكم فيما تقولون » . قال الأزهري : وهذا واضح ، ومما يزيده وضوحا أن اللّه عز وجل قال لنبيه :قُلْيا محمدإِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌفي زعمكم( فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ )إله الخلق أجمعين الذي لم يلد ولم يولد ، وأول الموحدين للرب الخاضعين المطيعين له وحده ؛ لأن من عبد اللّه تعالى واعترف بأنه معبود وحده لا شريك له فقد دفع أن يكون له ولد في دعواكم ، واللّه عز وجل واحد لا شريك له وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد ، قال الأزهري : وإلى هذا ذهب إبراهيم بن السري وجماعة من ذوي المعرفة ، وهو الذي لا يجوز عندي غيره » اه كلامه .