والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أيضا أنها تضمر بعد بل ، قال الشاعر :
[ 239 ]
* بل جوز تيهاء كظهر الحجفت *
شرح
- فرح يفرح » إذا هزل وأعيا حتى لا يستطيع براحا ولا ينبعث ، وهو رذي والأنثى رذية ، وقال أبو زيد : الرذية الناقة المتروكة التي حسرها السفر لا تقدر أن تلحق بالركاب ، وفي حديث الصدقة « فلا يعطي الرذية ولا الشرط اللئيمة » يخاطب الشاعر ناقته ، يقول : قد تركت مثلك أو خيرا منك بعد أن أعملتها في السفر ، وأودعتها الطريق ؛ فكلما مرّ عليها طائر قلبت عينها رهبة منه وخوفا أن يقع عليها ليأكل منها . ومحل الاستشهاد بالبيت قوله « مثلك أو خير » حيث جر « مثلك » برب المحذوفة من غير أن يقيم الواو مقام رب ؛ فهذا يدل على أن الجر ليس بالواو ، إذ لو كان الجر بها لم تحذف ؛ لأن الأصل في حرف الجر ألا يعمل وهو محذوف لضعفه ، وإنما اغتفروا ذلك في رب لكثرة استعمالها ، هكذا زعم المؤلف ، وما ذكره من القاعدة صحيح ، ولكن الرواية في صدر هذا البيت « ومثلك رهبي قد تركت » بنصب « مثلك » أو جره ، أما نصبه فعلى أن يكون مفعولا مقدما لقوله تركت ، وأما جره فعلى أن يكون مجرورا برب المحذوفة بعد الواو ، ونظيره قول امرئ القيس بن حجر الكندي في رواية :ومثلك بكرا قد طرقت وثيبا * فألهيتها عن ذي تمائم محول[ 239 ] هذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل ( ص 1281 ) ورضي الدين في شرح شافية الحاجب ( رقم 101 ) وابن جني في سر صناعة الإعراب ( رقم 107 في 1 / 177 ) وفي الخصائص ( 1 / 304 الدار ) وقد أنشده ابن منظور ( ح ج ف ) ونقل عن ابن بري أنه من أرجوزة لسؤر الذئب ، والتيهاء : الصحراء يضل سالكها ، وجوزها - بفتح الجيم وسكون الواو - أي وسطها ، وإنما شبه الصحراء بظهر الترس لأنها غير ذات أعلام يهتدي بها السائر . وإنما ذكر الوسط ليشير إلى أنه لم يتهيبها وأنه توسطها ، وهذا الكلام كناية عن كونه قويا جلدا جريئا لا يهاب . وللنحاة في هذا البيت شاهدان ، أحدهما : في قوله « بل جوز تيهاء » حيث جرّ « جوز تيهاء » برب المحذوفة بعد بل ، والثاني : في قوله « الحجفت » حيث وقف على تاء التأنيث بالتاء لا بالهاء ، قال ابن منظور « يريد رب جوز تيهاء ، ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء فقال : هذا طلحت ، وخبز الذرت » اه . وقال ابن يعيش « من العرب من يجري الوقف مجرى الوصل فيقول في الوقف : هذا طلحت ، وهي لغة فاشية حكاها أبو الخطاب ، ومنه قولهم : وعليكم السّلام والرحمت ، ومنه قوله :* بل جوز تيهاء كظهر الحجفت *اه كلامه .
وقد ذكر الصاغاني أن الذين يقفون على الهاء بالتاء هم طيّىء .
ومثل هذا البيت في الجر برب المحذوفة بعد بل قول رؤبة بن العجاج :بل بلد ذي صعد وأصباب * قطعت أخشاه بعسف جواب