تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
فجمع بين الميم و « يا » ولو كانت الميم عوضا من « يا » لما جاز أن يجمع بينهما ؛ لأن العوض والمعوّض لا يجتمعان . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا ذلك لأنا أجمعنا أن الأصل « يا أللّه » إلا أنا لما وجدناهم إذا أدخلوا الميم حذفوا « يا » ووجدنا الميم حرفين و « يا » حرفين ، ويستفاد من قولك « اللّهمّ » ما يستفاد من قولك « يا أللّه » دلنّا ذلك على أن الميم عوض من « يا » ؛ لأن العوض ما قام مقام المعوض ، وهاهنا الميم قد أفادت ما أفادت « يا » ؛ فدل على أنها عوض منها ، ولهذا لا يجمعون بينهما إلا في ضرورة الشعر ، على ما سنبين في [ 152 ] الجواب إن شاء اللّه تعالى . أما الجواب عن كلمات الكوفيين « 1 » : أما قولهم « إن الأصل يا أللّه أمّنا بخير ، فحذفوا بعض الكلام لكثرة الاستعمال » قلنا : الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أنه لو كان الأمر كما زعمتم وأن الأصل فيه يا أللّه أمّنا بخير لكان ينبغي أن يجوز أن يقال اللهمنا بخير ، وفي وقوع الإجماع على امتناعه دليل على فساده . والوجه الثاني : أنه يجوز أن يقال « اللهمّ أمّنا بخير » ولو كان الأول يراد به « أمّ » لما حسن تكرير الثاني ؛ لأنه لا فائدة فيه . والوجه الثالث : أنه لو كان الأمر كما زعمتم لما جاز أن يستعمل هذا اللفظ إلا فيما يؤدي عن هذا المعنى ، ولا خلاف أنه يجوز أن يقال « اللهم العنه ، اللهمّ أخزه ، اللهم أهلكه » وما أشبه ذلك ، وقد قال اللّه تعالى :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ الأنفال : 32 ] ولو كان الأمر كما زعموا لكان التقدير : أمّنا بخير ، إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، ولا شك أن هذا التقدير ظاهر الفساد والتناقض ؛ لأنه لا يكون أمهم بالخير أن يمطر عليهم حجارة من السماء أو يؤتوا بعذاب أليم . وهذا الوجه عندي ضعيف ، والصحيح من وجه الاحتجاج بهذه الآية أنه لو كانت الميم من الفعل لما افتقرت إن الشرطية إلى جواب في قوله :
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
[ الأنفال : 32 ] وكانت تسد مسدّ الجواب ، فلما افتقرت إلى الجواب في قوله :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا
[ الأنفال : 32 ] دل أنها ليست من الفعل .
هامش
( 1 ) انظر رد الزجاج على ما ذهب إليه الفراء من أن أصل « اللهم » يا أللّه أمنا بخير ، في لسان العرب ( أل ه ) .