تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
تمام الخبر ، فكذلك قبل تمام الخبر ؛ لأنه لا فرق بينهما عندنا ، وأنه قد عرف من مذهبنا أن « إنّ » لا تعمل في الخبر لضعفها ، وإنما يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها ، فإذا كان الخبر يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها ؛ فلا إحالة إذن ؛ لأنه إنما كانت المسألة تفسد أن لو قلنا إن « إنّ » هي العاملة في الخبر فيجتمع عاملان فيكون محالا ، ونحن لا نذهب إلى ذلك ؛ فصحّ ما ذهبنا إليه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أن ذلك لا يجوز أنك إذا قلت « إنّك وزيد قائمان » وجب أن يكون « زيد » مرفوعا [ 86 ] بالابتداء ، ووجب أن يكون عاملا في خبر « زيد » وتكون « إنّ » عاملة في خبر الكاف ، وقد اجتمعا في لفظ واحد ؛ فلو قلنا « إنه يجوز فيه العطف قبل تمام الخبر » لأدى ذلك إلى أن يعمل في اسم واحد عاملان ، وذلك محال . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ
[ المائدة : 69 ] فلا حجة لهم فيه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنا نقول : في هذه الآية تقديم وتأخير ، والتقدير فيها : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن باللّه واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصّابئون والنّصارى كذلك ، كما قال الشاعر : [ 112 ]
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة * حصين عبيطات السّدائف والخمر
شرح
[ 112 ] هذا البيت من كلام الفرزدق ، وقد استشهد به ابن يعيش في شرح المفصل ( ص 1127 ) وابن هشام في أوضح المسالك ( رقم 205 بتحقيقنا ) ، وابن أصرم : هو حصين كما سيذكره بعد ، والعبيطات : جمع عبيطة - بفتح العين - وهي القطعة من اللحم الطري غير النضيج ، والسدائف : جمع سديف ، وهو السنام ، ومحل الاستشهاد في قوله « والخمر » . واعلم أولا أن قوله « أحلت لابن أصرم طعنة عبيطات السدائف والخمر » يروى على وجهين : الأول : بنصب « طعنة » ورفع كل من « عبيطات » و « الخمر » والوجه الثاني : برفع « طعنة » ونصب عبيطات بالكسرة نيابة عن الفتحة ورفع « الخمر » وهذه الرواية هي التي يقصدها المؤلف ههنا ، فأما الرواية الأولى فتخرج على أن « طعنة » مفعول به في اللفظ وإن كان فاعلا في المعنى ، و « عبيطات » فاعل في اللفظ وإن كان مفعولا به في المعنى ، و « الخمر » معطوف على عبيطات السدائف ، وقد أتى الشاعر - على هذه الرواية - بالفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا على طريقة من قال : خرق الثوب المسمار ، وكسر الزجاج الحجر ، وقد صرح ابن مالك بأن العرب قد يدعوهم ظهور المعنى إلى أن يغيروا من إعراب الفاعل فينصبوه وإعراب المفعول فيرفعوه ، وأما تخريج الرواية الثانية فقد اختلف النحاة فيه ، فمنهم من ذهب إلى أن « طعنة » فاعل أحلت مرفوع بالضمة الظاهرة ، و « عبيطات » مفعول به ، و « الخمر » فاعل بفعل محذوف يدل عليه الفعل السابق ، وتقدير الكلام : أحلت الطعنة -