تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وقال الآخر : [ 111 ]
فليت كفافا كان خيرك كلّه * وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي
أراد « ليته » إن جعلت « كفافا » خبر كان مقدما عليها ، والتقدير فيه : ليته كان خيرك وشرك كفافا عني ، أو مكفوفين عني ؛ لأن الكفاف مصدر فيقع على الواحد والاثنين والجميع ، كقولهم : رجل عدل ورضا ، ورجلان عدل ورضا ، وقوم عدل ورضا ، وما أشبه ذلك ، وإن جعلت « كفافا » منصوبا بليت لم يكن من هذا الباب ، والأول أجود . والذي يدلّ على فساد ما ذهبوا إليه أنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النّصب إلا ويعمل الرفع ؛ فما ذهبوا إليه يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة ، وذلك لا يجوز ، فوجب أن تعمل في الخبر الرفع كما عملت في الاسم النّصب على ما بيّنا ، واللّه أعلم .
شرح
[ 111 ] هذا البيت من قصيدة جيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي يقولها في عتاب ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص ، وقد روى هذه القصيدة أبو علي القالي في أماليه ( 1 / 68 ط دار الكتب ) وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ( 11 / 100 بولاق ) والبغدادي في خزانة الأدب ( 1 / 496 ) نقلا عن أبي علي الفارسي في المسائل البصرية ، وقد استشهد الرضي بعدة أبيات من هذه القصيدة ، واستشهد بالبيت الذي استشهد به المؤلف ههنا في باب « الحروف المشبهة بالفعل » وشرحه البغدادي في الخزانة ( 4 / 390 ) والكفاف - بفتح الكاف بزنة السحاب - الذي لا يزيد عن قدر الحاجة ، و « ما » مصدرية ظرفية ، وارتوى : أراد به شرب ، ومرتوي : اسم الفاعل من قولهم « ارتوى فلان » إذا طلب الري وذهاب العطش ، ومحل الاستشهاد في البيت قوله « ليت كفافا كان خيرك » فإن هذه العبارة - على ما ذكر المؤلف - تحتمل وجهين : الأول : أن يكون قوله كفافا خبر كان تقدم عليها وعلى اسمها جميعا ، وأصل الكلام : ليت كان خيرك كفافا ، وعلى هذا الوجه يكون الشاعر قد أولى « ليت » في الظاهر الفعل الذي هو كان ، وقد علمنا أن « ليت » مختصة بالجمل الإسمية ، ولهذا يجب على هذا الوجه تقدير اسم ليت إما ضمير شأن وإما ضمير مخاطب ؛ فعلى الأول يكون تقدير الكلام : ليت هو ( أي الحال والشأن ) كان خيرك كفافا ، وعلى الثاني يكون التقدير : فليتك كان خيرك كفافا ، والوجه الثاني : من الوجهين اللذين تحتملهما العبارة أن يكون قوله « كفافا » اسم ليت ، وجملة كان في محل رفع خبر ليت ، واسم كان على هذا الوجه ضمير مستتر فيها يعود على كفاف ، ويكون « خيرك » بالنصب على أنه خبر كان ، وقوله « عني » على هذا الوجه جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من قوله « خيرك » أي : ليت كفافا يكون ( هو ) خيرك منفصلا عني ، ولا يجوز لك أن ترفع « خيرك » على أنه فاعل كان وهي تامة ، وتجعل « كفافا » اسم ليت وخبرها جملة كان وفاعلها ؛ لأن جملة كان حينئذ تصير خالية من رابط يربطها باسم ليت ، فاعرف ذلك كله وتنبه له ، وللعلماء في شرح هذا البيت كلام طويل أعرضنا عنه .