تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
فرفع « الخمر » على الاستئناف ، فكأنه قال : والخمر كذلك . وقال الآخر : [ 113 ]
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلّا مسحتا أو مجلّف
شرح
- عبيطات السدائف وحلت الخمر ، ويروى أن الكسائي سئل في حضرة يونس بن حبيب عن توجيه رفع الخمر في هذا البيت ، فقال الكسائي : يرتفع بإضمار فعل ، أي وحلت له الخمر ، فقال يونس : ما أحسن واللّه توجيهك ، غير أني سمعت الفرزدق ينشده بنصب طعنة ورفع عبيطات ، على جعل الفاعل مفعولا في اللفظ . ومنهم من جعل قوله « الخمر » مبتدأ حذف خبره ، والتقدير : والخمر كذلك ، وهذا هو الذي أراده المؤلف ههنا ، وهو الذي وجه به البيت ابن يعيش في شرح المفصل . [ 113 ] وهذا البيت أيضا من كلام الفرزدق ، وقد استشهد به رضي الدين في شرح الكافية في باب حروف العطف ، وشرحه البغدادي في الخزانة ( 2 / 347 بولاق ) وأنشده ابن منظور ( س ح ت - ج ل ف ) ونسبه إليه في المرتين ، وأنشده ابن جني في الخصائص ( 1 / 99 ) ، وهو من قصيدة من قصائد النقائض ، وأولها قوله :عزفت بأعشاش وما كدت تعزف * وأنكرت من حدراء ما كنت تعرفويروى أن الفرزدق أنشد هذه القصيدة لعبد اللّه بن إسحاق ، فلما بلغ البيت المستشهد به قال له عبد اللّه : علام رفعت « أو مجلف » فقال الفرزدق : على ما يسوءك وينوءك ! علينا أن نقول ، وعليكم أن تتأولوا . ولم يدع : أي لم يترك ، والمسحت - بضم أوله على زنة اسم المفعول - هو المستأصل الذي فني كله ولم يبق منه شيء ، والمجلف - بالجيم ، على زنة المعظم - الذي قد ذهب أكثره وبقي منه شيء يسير . واعلم قبل كل شيء أن أصل الرواية في هذا البيت على ما رواها المؤلف بنصب « مسحتا » ورفع « مجلف » وقد تكلم العلماء في ذلك فأطالوا وقالوا فأكثروا وتعبوا في طلب الحيلة ولم يأتوا بشيء يرتضى ، هكذا قال ابن قتيبة ، وقال الزمخشري كلاما قريبا منه ، ونحن نذكر لك أربعة تخريجات لهذه الرواية الأصلية ، التخريج الأول : أن قوله « مجلف » مبتدأ حذف خبره وتقدير الكلام : أو مجلف كذلك ، والثاني : أن « مجلف » فاعل بفعل محذوف دل عليه سابق الكلام ، والتقدير : أو بقي مجلف ؛ لأن قوله « لم يدع إلا مسحتا » معناه بقي مسحت ، وهذان التخريجان مثل التخريجين اللذين ذكرناهما في شرح البيت السابق ، والتخريج الثالث : أن قوله « مجلف » معطوف على قوله « عض زمان » في أول البيت وهو مصدر ميمي بمعنى التجليف ، وليس اسم مفعول ، وتقدير الكلام على هذا : وعض زمان وتجليفه لم يدع من المال إلا مسحتا ، وهذا توجيه أبي على الفارسي ، والتخريج الرابع : أن قوله « مسحتا » اسم مفعول منصوب على أنه مفعول به لقوله لم يدع ، وفيه ضمير مستتر نائب فاعل ، وقوله « أو مجلف » معطوف على الضمير المستتر في مسحت ، وهذا توجيه الكسائي . ومن العلماء من ذهب يغير في رواية البيت أو في تفسير كلماته ؛ فمن ذلك ما حكاه الفراء من أن بعضهم روى البيت هكذا :وعض زمان يا ابن مروان ما به * من المال إلا مسحت أو مجلفومن ذلك أن أبا جعفر بن حبيب روى البيت في كتابه النقائض برفع مسحت ومجلف -