تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ومن قال نعم - بفتح النون وسكون العين - حذف كسرة العين ، كقراءة يحيى بن وثّاب ( فَنَعْمَ عقبى الدار ) بفتح النون وسكون العين ، وكما قال الشاعر : [ 73 ]
فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل * من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه
أراد « ضجر ، ودبرت » فحذف ، وقال الآخر : [ 74 ]
إذا هدرت شقاشقه ونشبت * له الأظفار ترك له المدار
شرح
- الثقل الخروج من الشيء إلى ما يخالفه ؛ ففي « نعم » بكسر النون والعين جميعا نوع من الثقل ونوع من التخفيف ، أما الثقل فناجم عن الكسر ، وأما التخفيف فمنشؤه أن اللسان حين ينطق بالنون مكسورة ثم يأتي بالعين مكسورة أيضا قد خرج من شيء إلى ما يشبهه ويوائمه فليس بحاجة إلى تغيير ضغطه وحركته ، أما حين ينتقل من النون المفتوحة إلى العين المكسورة فإنه ينتقل من الشيء إلى ما يغايره ويخالفه فهو مضطر إلى أن يغير ضغطه وحركته ؛ فلهذا كان نعم بكسر أوله وثانيه أخف من نعم بفتح أوله وكسر ثانيه ، فاعرف ذلك وتنبه له واللّه يرشدك . [ 73 ] هذا البيت للأخطل التغلبي ، من قصيدة يهجو فيها كعب بن جعيل ، وقد أنشده صاحب اللسان ( ض ج ر ) وصاحب الكشاف في تفسير سورة النساء ( 1 / 183 بولاق ) وضجر - بوزن علم في الأصل ، وخفف هنا بإسكان ثانيه - أي قلق وتبرم وضاقت نفسه ، والبازل : من الجمال الذي انشقت نابه وذلك إذا بلغ سنه التاسعة ، والأدم : جمع آدم أو أدماء ، والآدم : الأسمر اللون ، ودبرت : أصله بوزن فرح ، وخفف هنا بإسكان ثانيه ، ومعناه جربت ، والدبر والجرب واحد في الوزن وفي المعنى ، وصفحتاه : جانباه ، وغاربه : أعلاه ، والاستشهاد به في قوله « ضجر » وقوله « دبرت » فإن أصل كل واحد من هذين الفعلين مفتوح الأول مكسور الثاني ، وقد خففه الشاعر بإسكان ثانيه ؛ لأن الكسرة كما قلنا ثقيلة وهم يطلبون التخفيف ما أمكن ، ولهذا لو كان ثاني الكلمة الثلاثية مفتوحا مثل كتب وضرب ونصر لم يلجأوا إلى تخفيفها بإسكان ثانيها ؛ لأن الفتحة في نفسها خفيفة وأول الفعل مفتوح فالخفة حاصلة ، فلا يرون أن بهم حاجة إلى تغير زنة الكلمة . [ 74 ] لم أقف لهذا البيت على نسبة إلى قائل معين ، وهدرت : أصله قولهم « هدر البعير » إذا ردد صوته في حنجرته ، والشقاشق : جمع شقشقة - بكسر الشينين جميعا - وأصله شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، ويقولون للفصيح البليغ الذي يخطب فيجيد : هدرت شقشقته ، هدرت شقاشقه ، وخطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة مشتملة على كثير من الحكم ، فقال له ابن عباس : لو اضطردت خطبتك من حيث أفضيت ، فقال له : هيهات ، تلك شقشقة هدرت ثم قرت ، وسموا هذه الخطبة « الشقشقية » بسبب هذه العبارة ، وقالوا « فلان شقشقة قومه » يريدون أنه شريفهم وفصيحهم ، ونشبت : أصله بفتح النون وكسر الشين - ومعناه علقت ، وقد خففه ههنا بإسكان شينه ، والمدار : أراد مدار الأمر ، وهو ما يجري عليه غالبا . والاستشهاد بالبيت في قوله « ونشبت » وقوله « ترك » فإن أصل الفعل الأول مكسور الشين مبنيا للمعلوم فسكن الشاعر شينه قصدا إلى التخفيف ، وأصل الفعل الثاني « ترك » بضم أوله وكسر ثانيه مبنيا للمجهول ، فسكن الراء للتخفيف أيضا .