وكذلك عبّر عنها ابن السّرّاج « 582 » والزّجّاجي « 583 » ، وأضاف الأخير إليها حرفا آخر وهو « لا بل » وهذا يذكّرنا بمواقفه في التوسّع في ذكر الحروف عامة . كما ذكرها بهذا المعنى ابن جنّي « 584 » والزّمخشري « 585 » وقال صاحب البرهان « 586 » : ( والإضراب هو ترك الأول والرجوع عنه بإبطاله ) وقال : ومعناها في القرآن لا يكون على الغلط البتة ، لأن اللّه البارئ منزه عن ذلك ، وإنما يكون معناها فيه الانتقال من حديث إلى حديث آخر والخروج من قصة إلى قصة ) ، وهذا الرأي أخرجه ابن مالك والرّضي والزّركشيّ ، ومن الذين قالوا به ابن الحاجب « 587 » .
فهناك فرق بين تركيبي « بل » المنفي والموجب ، فالتركيب الذي تقع فيه « بل » ويكون مثبتا يختلف من حيث المعنى عن ذلك التركيب المنفي ، ولهذا الخلاف يرجع البصريون في حملهم بدل الغلط والنسيان على « بل » والحقيقة أنّه عندما يقول المتكلّم : جاء علي بل خالد ، نفهم من قوله أنّه بداية ، قصد إسناد الفعل إلى عليّ ، ولكنه تذكر أمرا نسيه أو أنه غلط فاستدرك بأن ذكر خالدا بعد أداة الإضراب « بل » ، على حين إذا قال : ما جاء عليّ بل خالد ، فإنه قد نفى أن يكون الذي جاء هو عليّ ، فهو متأكد من أنّ خالدا هو الذي جاء ، وإنّما ذكره ليرفع الشّك عن السّامع .
7 . لكن :
ومعناها في العطف الإيجاب بعد النّفي ولا تستعمل إلّا في التّراكيب المنفية ، قال سيبويه « 588 » : ( وأما « لكن » خفيفة وثقيلة فتوجب بها بعد نفي . ) وأما معناها فهو الاستدراك ، وأوّل من أطلقه هو المبرّد « 589 » قال : ومنها « لكن » وهي للاستدراك بعد النفي ولا يجوز أن تستعمل بعد واجب إلّا لترك قصة إلى قصّة تامّة نحو قولك : جاءني زيد لكن عبد اللّه لم يأت . ) ثم استعمل مصطلح الاستدراك عند سائر البصريّين « 590 »
هامش
( 582 ) الأصول 2 / 57 .
( 583 ) الجمل ص 18 .
( 584 ) اللمع ص 93 .
( 585 ) المفصل ص 305 .
( 586 ) البرهان 4 / 258 .
( 587 ) البرهان 4 / 258 - 259 .
( 588 ) الكتاب 4 / 232 .
( 589 ) المقتضب 1 / 12 وعنى بالقصة : الحديث .
( 590 ) انظر الأصول 2 / 57 ، والجمل ص 17 ، واللمع ص 93 ، والمفصل ص 305 .