وإن كان ممكنا عقلا لا عادة : فإغراق ؛ كقوله [ من الوافر ] :
ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث مالا
وهما مقبولان ؛ وإلا « 1 » فغلوّ ؛ كقوله [ من الكامل ] :
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه * لتخافك النّطف الّتى لم تخلق
والمقبول منه أصناف ؛ منها : ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة ؛ نحو :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
« 2 » .
شرح
وصف الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق والعداء ( بالكسر ) الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما في أثر الآخر وفيه نظر ، لأن هذا إخبار بالواقع بغير مبالغة ، وإن كان ممكنا عقلا لا عادة سمى إغراقا كقوله :ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث مالا « 3 »فإن كون جاره لا يميل إلى جهة إلا تبعته كرامته مستحيل عادة ممكن عقلا ، كذا قيل .
وفيه نظر لإمكان حمل ذلك على تزويده بما يصاحبه في كل جهة يميل إليها ، كما هي عادة الكرام ، وهذا البيت أنشده عبد اللطيف البغدادي : ونكرم ضيفنا ، وعزاه إلى عمرو بن الأيهم ، وهما أي التبليغ والإغراق ، مقبولان قوله ( وإلا ) أي وإن لم يكن القدر المدعى من شدة الوصف أو ضعفه ممكنا عقلا ، فالمبالغة تسمى غلوا كقول أبى نواس :وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه * لتخافك النّطف الّتى لم تخلق « 4 »ثم أخذ المصنف في بيان المقبول من هذه الأقسام ، فالقسمان الأولان وهما : التبليغ ، والإغراق ، مقبولان لأنهما من البديع ( و ) الثالث وهو الغلو المقبول منه أصناف ، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظ : يكاد في قوله تعالى :يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌولك أن تقول المستحيل كيف يقرب من الصحة بكاد أو غيرها ، وكقول الشاعر ، وقيل : هو ابن حميد الصقلى :ويكاد يخرج سرعة عن ظلّه * لو كان يرغب في فراق رفيق « 5 »
هامش
( 1 ) بأن كان غير ممكن عقلا ولا عادة .
( 2 ) سورة النور : 35 .
( 3 ) البيت لعمرو بن الأيهم التغلبي ، في الإشارات ص 279 ، والمصباح ص 224 .
( 4 ) البيت لأبى نواس في ديوانه ص 452 ، والطراز 2 / 314 ، والمصباح ص 229 .
( 5 ) البيت لابن حمديس الصقلى ، وأبى محمد عبد الجبار بن أبي بكر .