ومنها : ما تضمّن نوعا حسنا من التخييل ؛ كقوله [ من الكامل ] :
عقدت سنابكها عليها عثيرا * لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
وقد اجتمعا في قوله [ من الطويل ] :
يخيّل لي أن سمّر الشّهب في الدّجى * وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفانى
ومنها : ما خرّج مخرج الهزل والخلاعة ؛ كقوله [ من المنسرح ] :
أسكر بالأمس إن عزمت على الش * شرب غدا إنّ ذا من العجب
شرح
ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل ، كقوله يعنى : أبا الطيب :عقدت سنابكها عليها عثيرا * لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا « 1 »وفي جميع هذه الأمثلة وكونها من المستحيل عقلا ، نظر ، إذ العقل لا يمنع أن يضئ الزيت ، وأن يخرج الفرس عن ظله ، وأن تعقد حوافر الخيل غبارا ويتكاثف حتى يمكن السير عليه ، ولا استحالة في انعقاد الغبار ، وقد اجتمعا في قوله ، أي قول الأرّجانى يصف الليل بالطول :يخيّل لي أن سمر الشهب في الدّجى * وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفانى « 2 »فإن لفظة يخيل لي تقربه إلى الصحة ؛ وفيه نظر ، لأنها تجعله صحيحا لأن قوله : يخيل لي ممكن بأن يكون خيالا فاسدا ، وفيه تخييل بليغ ، وهو تسمير الشهب في الدجى ، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة ، كقوله :أسكر بالأمس إن عزمت على الش * شرب غدا إن ذا من العجب « 3 »عنه إنه كثير الرحمة لم تبالغ ، وكما أنك إذا قلت : عندي ألف ليس فيه مبالغة بالنسبة إلى من قال : عندي واحد ، ولا بد في المبالغة من تجوز ، نعم تحسن المبالغة إذا قلت : زيد رحيم ، ولم يكن كثير الرحمة ، بل أردت أن تبالغ في الرحمة اليسيرة الواقعة منه لغرض من الأغراض ، فهذه حينئذ مبالغة ، وكذلك إذا قلت : عندي ألف رجل وأردت مائة تعظيما لهم فقد تبين بذلك أن هذه الألفاظ ليست موضوعة للمبالغة البديعية ، وأن من يطلق عليه المبالغة ، فذلك بحسب اصطلاح النحاة واللغويين ،
هامش
( 1 ) البيت للمتنبى في شرح التبيان للعكبرى 2 / 456 ، والإشارات ص 279 .
( 2 ) البيت للقاضي الأرجانى كما في الإشارات ص 280 ، والإيضاح ص 320 بتحقيقى .
( 3 ) البيت أورده بلا عزو محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 279 .