. . .
شرح
التشبيه بها بيان وجه الشبه ، كقولك : رأيت رجلا كالأسد في البحر ، وإنما يمتنع الخفاء في العلاقة .
( تنبيه ) : إذا كان طرفا التشبيه مذكورين ، والمشبه به خبر مبتدأ ، أو في حكمه مثل خبر كان ، وإن ، وثاني مفعولى علمت ، والحال ، فهل يكون ذلك تشبيها ، أو استعارة ؟ اختلفوا فيه ، وأنا أذكر ما يتضح لي أنه الصواب ، ثم أتحفه بكلام الناس في ذلك . أما الذي يتضح لي - وباللّه التوفيق - فهو أن ذلك على قسمين : تارة يقصد به التشبيه ، فتكون أداة التشبيه مقدرة ، وتارة يقصد به الاستعارة ، فلا تكون مقدرة . ويكون الأسد مستعملا في غير حقيقته ، ويكون ذكر زيد والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة ، قرينة صارفة إلى الاستعارة ، دالة عليها . فإن قامت قرينة على حذف الأداة ، صرنا إليه ، وإن لم تقم ، فنحن بين إضمار واستعارة . والاستعارة أولى ، فليصر إليها .
والأصوليون مختلفون فيما إذا دار الأمر بين المجاز والإضمار ، أيهما أولى ، وذلك في مطلق المجاز ، وفي علم أصول الفقه . أما الاستعارة التي هي أشرف أنواع المجاز ، فإنها مقدمة على الإضمار ، ولا سيما ونحن في علم البيان الذي الاستعارة فيه هي الأصل . وهم مجمعون على أن الاستعارة خير من الإضمار ، وهذا الذي ذكرته من تجويز الاستعارة ، لا يحتاج فيه لدليل ؛ لأنه مجاز سائغ ، وكما يجوز أن تقول : جاءني أسد تريد الاستعارة ، يجوز أن تقول : زيد أسد ، وهذا قياس جلى ، وما يظن من الفرق بينهما ، سأجيب عنه - إن شاء اللّه - هذا هو الذي ظهر لي .
وأما الذي قالوه فها أنا أقوله ، مبينا ما فيه : قال الزمخشري في قوله تعالى :صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ« 1 » : فإن قلت : هل يسمى ما في الآية استعارة ؟ قلت : مختلف فيه ، والمحققون على تسميته تشبيها بليغا ، لا استعارة .
( قلت ) : إن أراد أنهم يسمونه تشبيها ، وإن كان استعارة ، ويكون صم في الآية مجازا ؛ ولكنه يسمى تشبيها ، لتقدير اسم المشبه ، وذكر اسم المشبه به ، مرادا بهما معا المشبه ، فقريب . وإن أراد أن أداة التشبيه فيه محذوفة ، وصم حقيقة ، فلا نسلم . وما الدليل على ذلك ؟ قال : لأن المستعار له مذكور ، وهم المنافقون .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 18 .