وإما عقلىّ ؛ نحو :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
« 1 » ؛ فإنّ المستعار منه كشط الجلد عن نحو الشاة ، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل ، وهما حسّيّان ، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر .
شرح
الجامع ليس مجرد الشكل بل الشكل والخوار إما كل منهما على انفراده أو مجموع الأمرين ، ومثله قوله تعالى :وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ« 2 » فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المسمى موجا ، والمستعار له حركة الإنس والجن أو يأجوج ومأجوج وهما حسيان والجامع ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب قال السكاكى :
ومنه قوله عز اسمه :وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباًفالمستعار منه النار ، والمستعار له الشيب ، والجامع بينهما هو الانبساط ، والثلاثة حسية ( قلت ) : مراد السكاكى : أن الشيب هنا استعارة بالكناية ، استعير لفظ الشيب ، والمراد النار ، بعد ادعاء أن الشيب فرد من أفراد النار ، ثم ذكر اشتعل استعارة تخييلية ؛ لأن الاستعارة التخييلية ، تقترن بالاستعارة بالكناية ، وقد اعترض عليه المصنف بأن قال : " ليس ذلك مما نحن فيه ؛ لأن فيه تشبيهين : تشبيه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته ، وتشبيه انتشاره في الشعر باشتعاله في سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه ، والأول استعارة بالكناية ، والجامع في الثاني عقلي ، وكلامنا في غيرهما .
قلت : فيما قاله نظر ، أما قوله : " ليس كلامنا في الاستعارة بالكناية " فصحيح بالنسبة إلى المصنف ، فإنه لم يتكلم في الاستعارة بالكناية في هذا الباب . أما السكاكى ، فإنه ذكر جميع أقسام الاستعارة ، ثم عقبها بتقسيم الاستعارة على الإطلاق إلى هذا التقسيم ، فكلامه أعم من ذلك ، نعم المصنف لا يصح منه هذا المثال ؛ لأن الاستعارة بالكناية عنده مستعملة في موضوعها حقيقة ، فلا مدخل له في هذا القسم ، إذ الحقيقة ليس فيها مستعار ومستعار منه ، وجامع ، وأما قوله : " الجامع في الثاني عقلي " فليس كذلك لأن الجامع في الثاني مركب من عقلي وحسى ، لأن الانبساط حسى ، وتعذر التلافي عقلي ، لا يقال : هذا لا ينجى السكاكى من الاعتراض ، لأنه جعل الجامع حسيا ، لأنا نقول : السكاكى لم يجعل تعذر التلافي جزءا من الجامع ، بل قال : الجامع هو الانبساط . ورأى الطيبي « 3 » في الجواب عن هذا السؤال أن التشبيه
هامش
( 1 ) سورة يس : 37 .
( 2 ) سورة الكهف : 99 .
( 3 ) انظر كلام الطيبي في التبيان بتحقيقى 1 / 311 - 312 ط المكتبة التجارية - مكة .