وإما بذكر الخاصّ بعد العامّ ؛ للتنبيه على فضله ؛ حتى كأنه من جنسه ؛ تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات ؛ نحو : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ( 1 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
آخره ، بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأول ، نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم : " يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان الحرص وطول الأمل " ( 2 ) ، ولك أن تقول : كل مثنى أو جمع ذكر ثم فصل ، سواء أكان في أول الكلام أو آخره ، يحصل به الإيضاح بعد الإبهام فما الذي خص آخر الكلام دون أوله وأوسطه ؟ وما الذي خص المثنى دون المجموع ؟ وهل هذا غير اللف والنشر الذي سيأتي في البديع ؟
ص : ( وإما بذكر الخاص إلى آخره ) .
( ش ) : من أسباب الإطناب إيراد الخاص بعد العام ، ويؤتى به للتنبيه على فضل الخاص حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير في الوصف فيما حصل به للخاص التمييز عن غيره ؛ بمنزلة التغاير في الذات على الأسلوب الذي سلكه المتنبي في قوله :
فإن تفق الأنام وأنت منهم . . . فإنّ المسك بعض دم الغزال ( 3 )
وهذا بناء على الراجح عند الأصوليين من أن عطف الخاص على العام ليس بتخصيص . وقيل : هو تخصيص ؛ فإن العطف عليه يبين أن هذا الخاص لم يرد بالأول ، ومثله المصنف بذكر جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسّلام ، بعد ذكر الملائكة - صلى الله عليهم وسلم - في قوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ( 4 ) تنبيها على زيادة فضلهما .
وعبارة المصنف أحسن من قول غيره في الآية ، أنه عطف فيها الخاص على العام ؛ لأن جبريل ليس معطوفا على الملائكة ، بل إما على لفظ الجلالة ؛ أو على الرسل ، والمراد بهم رسل بني آدم . والمثال الثاني قوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ومثله في الإيضاح أيضا بقوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 238 .
( 2 ) أخرجه بنحوه البخاري في " الرقاق " ، باب : من بلغ ستين فقد أعذر الله إليه في العمر ، ( 11 / 243 ) ، ( ح 6420 ) ، ( 6421 ) ، ومسلم في " الزكاة " ، ( ح 1047 ) .
( 3 ) البيت من الوافر : وهو لأبى الطيب المتنبي في شرح ديوانه 2 / 16 ، وأسرار البلاغة ص 95 ، رشيد رضا ، والإشارات ص 187 .
( 4 ) سورة البقرة : 98 .