تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
. . .
شرح
الأمر أيضا حتى ينافي الالتفات ، والحاصل أن ما في البيت تجريد نظرا للتغاير الادعائى ، والتفات نظرا للاتحاد الواقعي ، وفي بعض الحواشى ليس مراد الشارح بعدم منافاة الالتفات للتجريد أنه يجوز اجتماعهما في لفظ واحد قصدا بل مراده أن الالتفات لا ينافي احتمال التجريد ، فكما صح في البيت الالتفات يصح فيه التجريد على البدلية لا على الاجتماع ، وذلك لأن من المواد ما يصلح لقصد التجريد فقط ومنها ما يصلح للالتفات فقط ومنها ما يصلح لهما معا ، فالأول : كما تقدم في قولهم لي من فلان صديق حميم ، إذ لا معنى للالتفات فيه لاتحاد الطرفيين فيه إذ هما معا غيبة ، والثاني : كقوله تعالىإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ« 1 » إذ لا معنى للانتزاع والتجريد فيه بأن يقال انتزع تعالى من ذاته ربا مبالغة في ربوبيته للنبي - صلّى اللّه عليه وسلم - لأنه يلزم الأمر بالصلاة المرب المنتزع ، والثالث : كالمثال الذي نحن بصدد البحث فيه وهو لئن بقيت لأرحلن بغزوة إلخ ، فإن المتكلم بهذا الكلام يحتمل أنه قصد المبالغة في وصف نفسه بالكرم حتى انتزع من نفسه كريما آخر فيكون تجريدا ، ويحتمل أنه أراد التنطع في التعبير وتحويل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر جديد فيكون التفاتا ، وأما كون الالتفات والتجريد يجتمعان في مادة قصدا فلا يصح . - انتهى كلامه ، قال العلامة عبد الحكيم : والصواب أن اجتماعهما واقع في صورة يكون الأسلوب المنتقل إليه دالا على صفة كما فيما نحن فيه ، فهو يعنى قوله كريم التفات من حيث إنه انتقل من التكلم للغيبة ، وتجريد من حيث التعبير بصيغة الصفة لأجل المبالغة في الكرم ، ولا يرد ما قيل إن الالتفات يقتضى الاتحاد والتجريد يقتضى التغاير ولو ادعاء ، وبينهما تناف لأنه إنما يلزم ذلك لو كان اعتبار المتنافيين من جهة واحدة بحسب اقتضاء المقام ، وهنا ليس كذلك لما علمت أن الالتفات من حيث إنه انتقل من التكلم للغيبة لأجل تجديد الأسلوب ، والتجريد من حيث التعبير بصيغة الصفة لأجل المبالغة في الكرم مثلا اه . وبهذا تعلم أن قول الشارح : قلنا لا ينافي التجريد ، معناه قلنا إن الالتفات لا ينافي التجريد وأنه يجوز اجتماعهما
هامش
( 1 ) الكوثر : 2 ، 1 .