تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
لما اعتقدوا اعتقادا فاسدا من التنافي بين الرسالة والبشرية ، فقلبوا هذا الحكم بأن قالوا :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي : مقصورون على البشرية ؛ ليس لكم وصف الرسالة التي تدعونها ، ولما كان هنا مظنة سؤال ؛ وهو أن القائلين قد ادعوا التنافي بين البشرية والرسالة وقصروا المخاطبين على البشرية ، والمخاطبون قد اعترفوا بكونهم مقصورين على البشرية حيث قالوا :
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم ؛ أشار إلى جوابه بقوله : ( وقولهم ) أي : قول الرسل المخاطبين (
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
« 1 » من باب ( مجاراة الخصم ) وإرخاء العنان إليه بتسليم بعض مقدماته ( ليعثر ) الخصم ؛ . . .
شرح
المتكلم صاروا بحسب اعتقاد المتكلمين بمنزلة من ادعى نفى البشرية صريحا ؛ لأنهم في اعتقادهم ادعوا ما يستلزم نفيها وهو الرسالة ولا فرق بين من ادعى نفى شئ ومن ادعى ما يستلزم نفيه ، ولذلك جعلوهم منكرين للبشرية وخاطبوهم بما خاطبوهم فظهر من هذا أن القصر في هذا المثال مبنى على مراعاة حال المتكلم والمخاطب بخلاف المثال السابق ، فإن القصر فيه مبنى على رعاية حال المخاطب فقط . ( قوله : لما اعتقدوا ) بتخفيف الميم وقوله من التنافي إلخ بيان لما وإنما اعتقدوا التنافي ؛ لأن الرسول لجلالة قدره ينزه في رأيهم عن البشرية ، وانظروا خسافة عقولهم حيث لم يرضوا ببشرية الرسول ورضوا للإله أن يكون حجرا ( قوله : فقلبوا ) أي : القائلون وقوله هذا الحكم أي : المستلزم لنفى البشرية بحسب زعمهم ( قوله : قد ادعوا التنافي ) أي : بحسب زعمهم ( قوله : حيث قالواإِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي : لا ملائكة ( قوله : فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم ) أي : مع أنه ليس كذلك ( قوله : من باب مجاراة الخصم ) أي : مماشاته والجرى معه في الطريق من غير مخالفة في السلوك ، ومثاله أن تريد إزلاق صاحبك فتماشيه في الطريق المستقيم حتى إذا وصلت إلى مزلقة أزلقته ( قوله : وإرخاء العنان ) عطف لازم ( قوله : بتسليم بعض مقدماته ) الباء للسببية متعلقة بمجاراة الخصم ؛ لأنه إذا سلم له بعض مقدماته كان ذلك وسيلة لاصغائه لما يلقى
هامش
( 1 ) إبراهيم : 11 .