تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
يا من شرح صدورنا . . .
شرح
بذلك الإخبار كما قيل في نحو ( أتكلم ) : إنه إخبار عن تكلم حصل به ، وإنما عدل عن اسم الجلالة الذي ورد التعبير به في الكتاب والسنة في مقام الحمد إلى ضمير الخطاب ؛ لأن اللائق بحال الحامد أن يلاحظ المحمود في حال حمده حاضرا مشاهدا ؛ ليكون حمده على وجه الإحسان المفسّر في حديث الإحسان : " أن تعبد اللّه كأنك تراه " « 1 » ، ففي التعبير بالضمير المذكور إشارة إلى أن الحامد بلغ مقام المشاهدة للمحمود ، بحيث حمده على وجه المخاطبة والمشافهة ، وإنما آثر تأخير المفعول مع أن تقديمه يفيد الاختصاص ؛ لأن تأخيره هو الأصل ، وللإشارة إلى استغناء هذا الاختصاص عن البيان لوضوحه . ( قوله : يا من ) أتى ب " يا " الموضوعة لنداء البعيد مع أنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد ؛ إشارة إلى علوّ مرتبة الحضرة العلية عن الحامد الملوّث بالمكدرات البشرية من الذنوب والآثام ؛ ولذا قال بعض الأفاضل :العبد عبد وإن تسامى * والمولى مولى وإن تنزّلولا يناقض هذا ما مر في نكتة التعبير بكاف الخطاب ؛ لأن البعد الرتبى بين الحق والخلق يصاحبه قوة الإقبال والتوجه إليه تعالى ، واستعمل " من " في الذات العلية مع أنها من المبهمات ؛ لورود الإذن في إطلاقها عليه كتابا وسنة ، نحو :سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى« 2 »أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ« 3 » ، وفي الحديث : " يا من إحسانه فوق كل إحسان ، يا من لا يعجزه شئ " ، فمنع إطلاقها « 4 » عليه تعالى فيه نظر . ( قوله : شرح ) الشرح في الأصل : الفتح ، والمراد به هنا التهيئة ، وقوله : ( صدورنا ) جمع صدر بمعنى القلب ، من إطلاق المحل وإرادة الحالّ ، وفي الحقيقة المهيأ للعلوم إنما هو النفس بمعنى الروح لا القلب بمعنى المضغة الحالة في الصدر ، فيراد بالقلب النفس ، والمعنى :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ، باب : الإيمان والإسلام ( 1 / 123 ) من حديث ابن عمر رضى اللّه عنهما . ( 2 ) الإسراء : 1 . ( 3 ) النحل : 17 . ( 4 ) الهاء فيها عائدة على " من " في قوله : " يا من " .