تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وهو أن يرتقى الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته ( وما يقرب منه ) . . .
شرح
الأعلى فرد من البلاغة التي هي المطابقة لا الإعجاز ( قوله : وهو ) أي : الإعجاز عند علماء البلاغة : ارتقاء الكلام في بلاغته إلخ ، وإنما قلنا عند علماء البلاغة ؛ لأن الإعجاز عند غيرهم : ارتفاع الكلام بالبلاغة أو غيرها إلى أن يخرج عن طوق البشر ( قوله : أن يرتقى الكلام ) أي : يرتفع شأنه ، وقوله في بلاغته أي : بسبب بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر أي : طاقتهم وقدرتهم لا بإخباره عن المغيبات ، ولا بأسلوبه الغريب ، ولا بصرف العقول عن معارضته ، ويصح أن تكون ( في ) باقية على حالها ، ويكون شبه ما يراعى في البلاغة من الخصوصيات بمدارج يرتقى فيها الكلام ، فإذا بلغ الحد الأعلى في تلك المدارج كان إعجازا على طريق المكنية والارتقاء تخييل ، والمعنى وهو أن يرتقى الكلام في الخصوصيات التي تراعى في بلاغته إلى أن يخرج عن طاقة البشر وقدرتهم . وذكر البشر ؛ لأنهم المشتهرون بالبلاغة والمتصدون للمعارضة ، وإلا فالعجز ما يكون خارجا عن طوق جميع المخلوقات من الجن والإنس والملائكة ( قوله : ويعجزهم عن معارضته ) أي : يصيرهم عاجزين عن معارضته ، فالهمزة في الإعجاز للتصيير ، وهو عطف لازم على ملزوم ، فإن قيل ما ذكرتموه - من أن الكلام يرتقى ببلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم - ممنوع ، إذ ليست البلاغة سوى المطابقة لمقتضى الحال مع الفصاحة ، والعلم الذي له مزيد اختصاص بالبلاغة - أعنى المعاني والبيان - متكفل بالإتيان بهذين الأمرين على وجه التمام ؛ لأن علم المعاني كافل للمطابقة ، وعلم البيان كافل للخلوص من التعقيد المعنوي ، وحينئذ فمن أتقن هذين العلمين وأحاط بهما ، لم لا يجوز أن يراعى هذين الأمرين حق الرعاية ، فيأتي بكلام هو في الطرف الأعلى من البلاغة ، ولو بقدر أقصر سورة من القرآن ، فكيف يمكن ارتقاء الكلام إلى أن يخرج عن طوق البشر بسبب بلاغته ، وأجيب بأن تكفل علم البلاغة بهذين الأمرين ممنوع ، إذ لا يعرف بهذا العلم إلا أن هذا الحال يقتضى ذلك الاعتبار مثلا ، وأما الاطلاع على كمية الأحوال أي : معرفة عددها وكيفيتها في الشدة والضعف ورعاية الاعتبارات بحسب
حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 252 | الشيخ محمد الدسوقي / عبد الحميد هنداوي