إن - كما تقدم - لعدم الجزم بالوقوع والذي يناسبها هو النادر ، ( والسيئة نادرة بالنسبة إليها ) أي : إلى الحسنة ، فلا تكون مجزوما بوقوعها كالحسنة لقلتها ، ( ولهذا نكرت ) السيئة ؛ لتدل على التقليل المناسب في الجملة لعدم الجزم ، وإنما قلنا في الجملة ؛ لأن التقليل المدلول للتنكير هو قلة الشيء في نفسه بقلة أفراده ، والتقليل المؤذن بعدم الجزم هو : قلة وقوع الشيء ، ولو كان عند وقوعه كثيرا ، ولكن لك أن تقول قلة الأفراد تؤذن - أيضا - بعدم الجزم بالوقوع ضرورة قرب ارتفاع القليل عن الوجود وسهولته دون الكثير - فليفهم .
فهذه الآية الكريمة مشتملة على استعمال إذا في المجزوم مع ما يناسبه ، ومعلوم أن اللّه تعالى لا يتصور منه جزم ، ولا شك ؛ لأنه علام الغيوب فالشيء عنده إما معلوم الوقوع أو معلوم عدمه ، ولكن جاءت الآية على نمط ما ينبغي أن يتعبر أن لو عبر بها مخلوق ؛ لأن القرآن عربى بليغ يجب أن يراعى فيه مقتضى البلاغة التي تتقرر في العربية ، ثم التنكير في السيئة إن أريد به نوع ما في أي فرد ما كان غير نادر ، كما لو أريد الجنس ، إذ لا يندر وقوع فرد ما من أي نوع ، وإنما يندر النوع إذا أريد نوع مخصوص في ضمن فرد مخصوص ، كأن يراد هنا الجدب بخصوصه في ضمن فرد مخصوص ، وقد أشرنا لذلك بقولنا - فيما تقدم - بأن يراد نوع مخصوص - فافهم . ثم أشار إلى أن إن قد تستعمل في غير أصلها لنكتة فقال ( وقد تستعمل إن في الجزم تجاهلا ) أي : وقد تستعمل إن في الشرط المجزوم بثبوته ، أو نفيه ، ويكون قصد المستعمل إظهار الجهل ؛ لأن إن تدل على الجهل بالشرط ثبوتا ونفيا ، فتستعمل في مجزوم النفي تجاهلا ، وإرخاء للعنان حتى يبكت الخصم بإلزام الحجة ببيان الاستحالة ، كأن يقال للخصم : أرأيت إن كان العالم قديما - كما يقال - ، فإنه يلزم استغناؤه عن الفاعل ، فلا يكون ممكنا ، وأنت تقول بإمكانه ، وقد تستعمل في مجزوم الثبوت تجاهلا ، كما إذا سئل العبد عن سيده ، وقد أوصاه أن لا يعلم أحدا بوجوده في داره ، حتى يشاور فيتجاهل بالتعبير بأن ؛ خوفا من سيده فيقول : إن كان في الدار أخبرك ، وهذا التجاهل يعد من علم المعاني ، حيث يعتبر من جهة اقتضائه المقام ، كما في المثال ، وإن كان إيراده لمجرد الظرافة في الكلام ؛ كان
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 325
مساهمون: ابن يعقوب المغربي
ص٣٢٥