به الاعتذار لصاحبه ، ومجرد وجود العقل لا يكفى في الغرض حتى تحضر الدلائل ، فوجب الحمل على ما ذكر ، وذلك كقولك لجاحد حقية الإسلام : دين الإسلام حق إيماء إلى أن جحوده قد تناهت الأدلة المزيلة له في الوضوح والظهور على أن الجحود معها كالعدم ، فلا يلتفت إلى مقتضاه ، وفي ذلك من توهين حجة الخصم ما لا يخفى ، وذلك من لطائف هذا التنزيل وقوله ( نحو
لا رَيْبَ فِيهِ
) " 1 " تنظير لتنزيل الشيء منزلة عدمه فينفى ، كما نزل الإنكار منزلة عدمه فنفى مقتضاه وهو التأكيد ، وإنما قلنا تنظير لا تمثيل لوجهين .
أحدهما : أن ظاهره بدون التنزيل للريب منزلة عدمه فينفى لا يصح لوقوع الريب من الكفرة ، وإنما يكون مثالا إن كان المخاطب منكرا لسلب الريب ليحق تأكيد سلب الريب ، ثم يترك لأن ثم دلائل على سلب الريب وهذا لا يصح لوجوده من الكفرة كما ذكرنا فكيف يكون مما قامت عليه الأدلة الواضحة ؟ !
والآخر : على تقدير تأويله بما يصحح جعله مثله لتنزيل المنكر منزلة غيره فترك تأكيده بأن يكون المعنى " لا ريب فيه " أي : ليس مما ينبغي أن يرتاب فيه ، وهذا الحكم وهو كونه لا ينبغي أن يرتاب فيه مما ينكره كثير من الناس ، فلوجود ما يدل على أنه لا ينبغي أن يرتاب فيه لكونه ليس محلا للريب ، نزل إنكار المنكر كعدمه ، فألقى إليه الكلام غير مؤكد ينافيه أو يعكر عليه قوله بعد ، وهكذا اعتبارات النفي فإنه يدل على أنه لم يمثل فيما تقدم بالنفي بل نظر به ، وأيضا لا نسلم أن لا ريب فيه لا تأكيد فيه ؛ لأن بناء " لا " مع اسمها يفيد تأكيد النفي .
وقد يجاب عن هذا بأن الذي فيه تحقق عموم المنفى لا تأكيد وقوع نفس النفي ، ويؤيد ما قيل أن لا ريب فيه بمنزلة التأكيد اللفظي لذلك الكتاب فكأنه قيل ذلك الكتاب ذلك الكتاب ، وعليه يكون تابعا لما قبله كسائر التأكيد اللفظي فيترك فيه التأكيد كما قبله بالوجه الذي ترك عما قبله ؛ لأن المراد كما في كونه ليس محلا للريب لظهور أمره ، وهذا معنى لا ريب فيه ، ولكن قد يقال في هذا : إن الكمال في نفى محلية
هامش
( 1 ) البقرة : 2 .