تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
فقلت لمحرز لما التقينا * تنكب لا يقطرك الزحام " 1 "
يرميه بالضعف وقلة الفائدة وعدم حضوره مجامع الحروب ، بحيث يخشى عليه أن يداس أي : يوطأ بالأقدام ويقطر أي : يلقى على قفاه عند الزحام ، فالتأكيد الذي كان الأصل فيه عرفا أن يدل على الإنكار حيث استعمل في غير المنكر ينتقل منه إلى تنزيله منزلة المنكر ، كالانتقال من الملزوم إلى اللازم ؛ ولذلك قيل : إن الدلالة هنا من باب الكناية التي هي أن يستعمل الملزوم لينتقل منه إلى اللازم ، ولما كان وضع الرمح عرضا إنما جعل أمارة على الإنكار من جهة كون شقيق مرميا بالجبن في زعم الشاعر كان من لطيفة هذا التنزيل إظهار التهكم والاستهزاء كما ذكرنا ، فحسن بذلك الكلام وبلغ فيه المرام ، ولولا رميه بالجبن كان وضع الرمح كذلك أمارة على قلة المبالاة الدالة على الشجاعة تأمله . ( و ) يجعل ( المنكر ) ويجرى مجراه المتردد الطالب ( كغير المنكر ) وهو الخالي الذهن ، ولا يدخل فيه الطالب ، إذ لا معنى لقولنا : يجعل كالطالب ، فلا يؤكد الكلام ، بل الطالب أيضا ينزل منزلة الخالي الذهن ، فلا يؤكده معه ، وحمله على معنى جعل المنكر كالطالب ، فيستحسن التأكيد ولا يجب في غاية البعد ، إذ الوجوب وعدمه أمر خفى ليس مما يكنى عنه بعوارض اللفظ ، وقد تقدم أن التنزيل دلالته من الكناية فافهم . وإنما ينزل المنكر كغيره ( إذا كان معه ) أي : مع المنكر ( ما ) أي : دلائل وشواهد ( إن تأمله ) أي : إن تفكر في تلك الدلائل معه ( ارتدع ) أي رجع عن إنكاره ، والمراد بوجود الدلائل معه : تصورها وشهودها بالحس الظاهر أو الباطن لا وجودها في نفس الأمر ولو غابت عن علمه ؛ لأن ذلك لا يكفى في التنزيل على ما سنقرره ، وما : واقعة على الدلائل كما قررنا لا على العقل كما قيل ، وإلا كان المناسب أن يقول إن تأمل به وإن أراد القائل بالعقل الدلائل المعقولة عاد للشواهد ، وأيضا الغرض من هذا التنزيل بيان وضوح تلك الدلائل وقيام الحجة بها ، وإن الجحود معها كالعدم لا يقوم
هامش
( 1 ) البيت لأبي ثمامة البراء بن عازب الأنصاري .