بنفسها ، وتجر المصدر المنسبك بنفسها كذلك ؟ قالوا : لا ؛ إذ ليس في الحروف كلها ما يعمل عملين مختلفين في جملة واحدة ووقت واحد . هل تكون قد تجردت للسبك مع النصب ، كما تجردت لهما « أن المصدرية » ؟ لا يقال هذا ؛ لأنها لو تجردت لهما لوجب حذفها بعد إتمام السبك ، وقيام المصدر المؤول - عملا بما تقتضيه قواعد السبك - لكن حذفها يؤدى إلى خلو الكلام من العلامة الهامة الدالة على التعليل ، والمرشدة إلى ضبط المصدر المنسبك ، وإعرابه وضبط ما قد يكون له من توابع ؛ - كالعطف والبدل . . . - وأيضا يمنع من اعتبارها حرف نصب ما تردد في الكلام الفصيح من ورود التوابع للمصدر المؤول مجرورة لا منصوبة . وهذا يقطع بأن المتبوع ( وهو : المصدر المؤول ) مجرور ليس غير . ولا عامل يصلح لعمل الجر في الجملة إلا هذه اللام .
ولو بقيت - بالرغم مما في بقائها من مخالفة ضوابط السبك ، كما أسلفنا - لأدى بقاؤها إلى اللبس والاضطراب أيضا ؛ إذ لا نستطيع الحكم عليها بأنها هي التي كانت قبل السبك أو أنها أخرى جاءت بعده . والفرق المعنوي والإعرابىّ كبير بين النوعين . فلم يبق إلا أن الناصب السابك حرف غيرها مضمر . هو : « أن » دون غيره . وأساس اختيار هذه الكلمة : استقراء الكلام العربي في أفصح أساليبه ؛ فقد دل على أن العرب يعمدون في الأسلوب الواحد إلى إظهار « أن » بعد « لام التعليل » وإلى إضمارها ، مع نصب المضارع في الحالتين « 1 » ، دون أن يختلف في التركيب شئ مما يراد منه ،
وما قيل في « لام التعليل » يقال في غيرها من الحروف الأخرى التي تضمر بعدها « أن المصدرية » .
ب - وأما إضمارها وجوبا بعد أحرف أخرى معينة ؛ ( كالفاء ، والواو ، وحتى . . . و . . و . ) فلأن كلا منها يؤدى معنى خاصا محتوما ؛ كالسببية ، والمعية ، والتعليل ، والغائية . . . و . . . وكل هذه معان عقلية مجردة ، لا دلالة فيها لزمان ، أو مكان ، أو ذات ، أو غيرها . . . - على الوجه الوجه الذي شرحناه - فلا توافق بينها وبين المضارع ؛ لاقتضائه الزمان حتما . فلا مفرّ من البحث عن وسيلة تمنع التعارض هنا ، وتجعل الجملة المضارعية بعد هذه الأحرف المعينة ، في عداد ما يدل على الأمر المعنوي المحض ، وهذه الوسيلة هي
هامش
( 1 ) أوضحنا الفوارق الكثيرة بين المصدر الصريح والمؤول - في الجزء الأول باب الموصول م 29 ص 377 - وبسطنا هناك الأسباب الداعية لاستعمال المصدر المؤول دون الصريح .