تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وأنت تأكل . . . أي : لا تقرأ في الحالة التي تأكل فيها . أما في غير هذه الحالة فالأمر مسكوت عنه ، لا دليل على النهى عنه أو إباحته ، فلا بد من قرينة أخرى تعين أحدهما ، وتزيل الاحتمال . ( ب ) ألحق الكوفيون « ثم » العاطفة بواو المعية في المعنى بشرط استقامة المعنى على المعيّة ، وأن يسبقها النفي أو الطلب كما يسبقان واو المعية ؛ فكلا الحرفين عندهم يؤدى العطف والمعية معا بالشرطين السالفين ؛ مستدلين بأمثلة مسموعة ، منها قوله عليه السّلام : ( لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم « 1 » ثم يغتسل منه ) ؛ بنصب : « يغتسل » على اعتبار « ثم » للعطف وللمعية « معا » ، والمضارع بعدها منصوب « بأن » المضمرة وجوبا . وقد عورض رأيهم بأنه يلزم عليه أن يصير معنى الحديث - في حالة النصب - النهى عن الجمع بين البول في الماء والاغتسال منه ، أي : النهى عن اجتماع الأمرين ومصاحبتهما . ويترتب على هذا أن البول في الماء الدائم من غير اغتسال منه مباح ؛ كما هو مفهوم الكلام السابق ، مع أن هذا المفهوم مخالف للمراد من الحديث ؛ إذ المراد منه - كما تدل قرائن متعددة - النّهى المطلق عن البول في الماء الدائم ، سواء أصحبه اغتسال أم لم يصحبه . وشئ آخر ؛ كيف تدل « ثم » على المعية والعطف معا ومعناها في العطف هو الترتيب والتمهل وهما ينافيان المعيّة ؟ فهل المراد مطلق الاشتراك ولو بغير معيّة . ؟ قال بعض المحققين يناقش الكلام السابق كله بما معناه : إن الإشكال نشأ من قول بعض النحاة : ( الفعل : « يغتسل » في الحديث السابق يجوز نصبه بإعطاء : « ثم » حكم واو الجمع . . . ) « 2 » فوقع في الوهم أن المراد إعطاؤها حكمها في المعية ، مع أن أولئك النحاة لم يقصدوها . أما المفهوم والأخذ بما يقتضيه فإنما يكون حين لا يمنع منه مانع ، ولا يصد عنه دليل ، كالشأن في هذا الحديث الشريف فإن الأخذ بمفهومه غير جائز ؛ لوجود ما يعارضه ويمنع الأخذ به ؛ وهو ثبوت النهى عن البول في الماء الراكد مطلقا ؛ سواء أكان بعده استحمام فيه أم لم يكن .
هامش
( 1 ) الراكد . ( 2 ) مراده : حكمها في أن المضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا .