تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
الدنيا ، وتفضيل الآخرة عليها . . . وكلا الغرضين مقصود باق على حاله . وكقوله تعالى :
( وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ
« 1 »
. . . )
وكقولهم : ( ليس من المروءة أن يتخلىّ الشريف عن أصدقائه ساعة الشدّة : بل يقيهم بماله ، ويدفع عنهم بنفسه ) . وحكم الحرف : « بل » الداخل على الجملة أنه حرف ابتداء محض يفيد الإضراب « 2 » - كما أسلفنا - ولا يصح اعتباره حرف عطف ولا شيئا آخر غير الابتداء ، فالجملة بعده مستقلة في إعرابها عما قبلها ، ولا يصح إعرابها خبرا ولا غير خبر عن شئ سابق عليه « 3 » . . .
هامش
( 1 ) غفلة ، أو انهماك في الباطل ، ووصفت القلوب بهذا مسايرة لاعتقاد العرب أن القلب هو مقر العقل والغرائز ، ومصدر الخير والشر . ( 2 ) سبقت إشارة - في رقم 2 من هامش ص 597 - إلى فروق بين « أم » المنقطعة حين تكون للإضراب ، و « بل » - منها : أن الذي بعد « بل » يقين غالبا ، أما الذي بعد « أم » فظنّ . . ، جاء في كتاب : « المحتسب » لابن جنّى - ج 2 ص 291 - في الآية الكريمة من سورة الطور :( أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ . )وقراءة من قرأها : ( بل هم قوم طاغون ) ما نصه : ( « قال أبو الفتح : هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه : إن « أم » المنقطعة بمعنى : « بل » ، للترك والتحول ، إلا أن ما بعد « بل » متيقن ، وما بعد « أم » مشكوك فيه ، مسؤول عنه ، كقول علقمة بن عبدة :هل ما علمت وما استودعت مكتوم ؟ * أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم ؟كأنه قال : بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم ؟ ويؤكده قوله بعده :أم هل كبير بكى لم يقض عبرته * إثر الأحبة يوم البين مشكوم- مشكوم : مجازى . . . ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام وهو : « هل » في قوله : أم هل كبير بكى . . . . حتى كأنه قال : بل هو كبير . . . ترك الكلام الأول وأخذ في استئناف مستأنف . وقد توالت « أم » هذه في هذا الموضع من هذه السورة ؛ قال تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ )أي : بل أيقولون ذلك . وقوله تعالى :( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا ، أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ؟ )أي : بل أهم قوم طاغون ؟ . . أخرجه مخرج الاستفهام ، وإن كانوا عنده تعالى قوما طاغين ؛ تلعّبا بهم وتهكما عليهم . وهذا كقول الرجل لصاحبه الذي لا يشك في جهله : أجاهل أنت ؟ توبيخا له ، وتقبيحا عليه . ومعناه : إني قد نبهتك على حالك فانتبه لها ، واحتط لنفسك منها ، قال صخر :أرائح أنت يوم البين أم غادى * ولم تسلم على ريحانة الواديليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به ؛ ولكنه يقبح هذا الرأي لها ، وينعاه عليها ، » ) ا ه . ( 3 ) يقول السيوطي في الهمع - ج 1 ص 96 - ما نصه خاصا بالخبر : « لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية ؛ نحو : زيد يا أخاه ، ولا مصدرة بلكن ، أو : بل ، أو : حتى . . - بالإجماع في كل ذلك » .
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 624 | عباس حسن