تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
ومن أمثلة ذلك : 1 - أن يتحدث فريق من الأصدقاء عن غنى افتقر ، فيقول أحدهم : وارحمتاه ! ! لم يبق من ماله شئ ؛ فيقول الثاني : حسبه أن أنفقه في سبيل الخير . ويقول الثالث : من كان يظن أن هذه القناطير تنفد من غير أن يدخر منها شيئا يصونه من ذل الفاقة ، وجحيم البؤس ؟ فيقول الرابع متأوها : يا رفاقى ، « هو : الزمان غدار ، وهي : الأيام خائنة » . فالغرض الذي يرمى إليه الرابع من كلامه : بيان غدر الزمان ، وخيانة الأيام . أو : تقلب الزمان . وهو غرض هام ؛ لما يتضمن من عبرة وموعظة والتماس عذر للصديق . وقد أراد أن يدل على أهميته ، ويوجه النفس إليه ؛ فمهد له بالضمير ؛ « هو » و « هي » من غير أن يسبقه شئ يصلح مرجعا ؛ فيثير الضمير بإبهامه هذا ، وغموضه ، شوق النفس ، وتطلعها إلى ما يجئ بعده . وتتجه بشغف إلى ما سيذكر . ولن يزيل غموض الضمير ويوضح المراد منه إلا الجملة التي بعده ؛ فهي التي تفسره ؛ وتجليه . فهو رمز لها ؛ أو كناية عنها ، وهي المفسرة للرمز ، المبينة لمدلول الكناية . والرمز ومفسره ، والكناية ومدلولها - من حيث المعنى شئ واحد ( ولذلك يعرب الضمير هنا مبتدأ ، وتعرب الجملة خبرا عنه من غير رابط ؛ لاتحادهما في المعنى ) . ومثل ما سبق نقول في بيت الشاعر :
هو : الدّهر ميلاد ، فشغل ، فمأتم * فذكر كما أبقى الصّدى ذاهب الصوت
2 - أن تسير في حديقة ، فاتنة ، بهيجة ؛ فتستهويك ؛ فتقول : « إنه - الزهر ساحر » « إنها - الرياحين رائعة » ، أو : « إنه - يسحرنى الزهر » « إنها - تروعنى الرياحين » . فقد كان في نفسك معنى هام ، وخاطر جليل - هو : « سحر الزهر » ، أو : « روعة الرياحين » . فأردت التعبير عنه بجملة اسمية أو فعلية ، ولكنك لم تذكر الجملة إلا بعد أن قدمت لها بالضمير ( إنه . . . إنها . . . ) لما في الضمير - ولا سيما الذي لم يسبقه مرجعه - من إبهام وإيحاء مركزين ؛ يثيران في النفس شوقا وتطلعا إلى استيضاح المبهم ، وتفصيل المركّز . وهذا عمل الجملة بعده ، فإنها تزيل إبهامه ، وتفسر إيحاءه ، وتبسط تركيزه : فتقبل عليها النفس ، متشوقة ، متفتحة . 3 - يشتد البرد في إحدى الليالي ، وتعصف الريح ؛ فيقول أحد الناس : هذا برد قارس ، لم أشهده قبل اليوم في بلادنا ، فيقول آخر : لقد شهدت مثله