تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
وإذا قلت : لا تهمل القراءة ، وتجلس ( برفع : تجلس ) ، فالنهي منصب على القراءة وحدها ، أما الجلوس فمباح . ( فالواو هنا : للاستئناف ، وهي تفيد ذلك المعنى . ) فالمضارع قد تغيرت علامة آخره على حسب تغير المعاني المختلفة ، والعوامل التي تعاقبت عليه ، فأشبه الاسم من هذه الجهة ، فأعرب مثله . أما بناؤه مع نون التوكيد ، ونون النسوة فلأنهما من خصائص الأفعال ، فوجود إحداهما فيه أبعده من مشابهة الاسم المقتضية للإعراب ، فعاد إلى الأصل الأول في الأفعال ؛ وهو البناء ؛ لأن الأصل فيها البناء - كما سبق - وأما الإعراب في المضارع أحيانا ، فأمر عارض ، وليس بأصيل . هكذا يقولون ! وليس بمقبول ، فهل يقبل أن سبب بناء الحرف هو دلالته في الجملة على معنى في غيره ، وعدم دلالته وهو مستقل على ذلك المعنى التركيبىّ ؛ فلا حاجة له بالإعراب ؛ لأن وظيفة الإعراب تمييز المعاني التركيبية بعضها من بعض ؟ إذا لم التفرقة فنقول إن كلمة : « ابتداء » وحدها التي تفهم من الحرف : « من » هي اسم ، وكلمة : « من » نفسها هي حرف ، مع أنها تفيد عند وضعها في الجملة معنى الابتداء ، فكلاهما يتوقف فهمه على أمرين ؛ ؛ شئ كان هو المبتدئ ، وشئ آخر كان المبتدأ منه ؟ هل السبب ما سطروه من دليل جدلىّ مرهق ، هو : أن معاني الأسماء تتوقف على أمور كلية معلومة لكل فرد بداهة ، فكأنها مستقلة ؛ مستغنية عن غيرها ؟ فلفظة : « ابتداء » عندهم معناها مطلق ابتداء شئ من شئ آخر ، بغير تخصيص ، ولا تعيين ، ولا تحديد . وشئ هذا شأنه يمكن أن يعرفه كل أحد ، ويدركه بالبداهة كل عقل . بخلاف معنى الابتداء في لفظة : « من » حين نقول مثلا : سرت من القاهرة ، فإن الابتداء هنا خاص مقيد بأنه ابتداء « سير » لا ابتداء قراءة : ، أو أكل ، أو كتابة ، أو سفر . أو . . . وأنه ابتداء « سير » من مكان معين ؛ هو : القاهرة . فليس الابتداء في هذا المثال معنى مطلقا كما في سابقه ، وليس فهمه ممكنا إلا بعد إدراك أمرين مخصوصين ؛ يتوقف فهمه عليهما ، ولا يعرفان إلا بالتصريح باسمهما ، هما : السير والقاهرة . أي : أن المعنى إن لوحظ في ذاته مجردا من كل قيد ، كان مستقلا ، وكان التعبير عنه من اختصاص الاسم ، « كالابتداء » ، وإن لوحظ حاله بين أمرين ، كان غير