العصيان ارتباطا على سبيل التقدير ، فلو قدّر نفي العصيان منتفيا على ما تقدّم فيما هو ظاهر « لو » « 1 » لوجب ثبوت العصيان ، إذ نفي نفي الشّيء إثبات له ، فيكون قد أثبت له العصيان ، وهو نقيض المعنى الذي سيق له الحديث ، لأنّه سيق للمدح ، فكيف يمدحه بالعصيان ؟ وكذلك الآية سيقت على أنّ بين ثبوت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما وكون البحر مدادا وبين نفي النّفاد عن كلماته ارتباطا ، فلو قدّر نفي النفاد منتفيا على ما ذكرناه من ظاهر كلامهم في « لو » لأدّى إلى أن يكون النّفاد حاصلا ، إذ نفي النّفي إثبات له ، فيلزم منه خلاف ما علم ، لأنّ « 2 » / سياق الآية على خلافه وخلاف المعقول ، ولكن مثل ذلك إنّما يأتي عند قيام القرائن الدّالّة على ثبوت « 3 » الثاني ، وذلك قد يكون من خارج ، وقد يكون معلوما من نفس سياق الكلام الذي تضمّنته « لو » .
فمثال الأوّل « 4 » قوله : « نعم العبد صهيب » ، لأنّه قد علم أنّ العصيان عن مثله منتف ، فإذا قال : « لو لم يخف اللّه لم يعصه » علم بهذه القرينة أنّه لم يرد نفي ما وقع جوابا .
والثاني « 5 » كقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ
الآية ، ألا ترى أنّ ذكر أشجار الأرض ، وتعداد « 6 » البحار على أنّها أقلام ومداد ممّا يفهم منه أنّ المراد نفي النّفاد لا حصوله ، فعلم من سياق الآية نفي النّفاد .
وبقي الرّبط بين شرطها وجوابها على تقدير الثّبوت ، وكذلك إذا قلت لمن جاءك فأثنيت عليه : « ولو لم تجئني لأثنيت عليك » ، فمثل ذلك يعلم أنّه لم يقصد إلى نفي الثاني ، وإنّما قصد إلى الرّبط بين الأوّل والثاني على سبيل الإثبات تقديرا .
وقد يقال : إنّ الانتفاء في الجميع مقدّر « 7 » ، ويكون قولك لمن أثنيت عليه لّما جاءك : « ولو لم تجئني لأثنيت عليك » أنّ « 8 » الثّناء المرتبط بنفي المجيء منتف ، والثّناء الذي حصل ليس هو الثّناء المرتبط بنفي المجيء ، ولكن لّما كانا جميعا ثناء توهّم أنّه يتعذّر تقدير انتفائه ، وهذا وإن استقام فيما
هامش
( 1 ) في الأصل ط : « ظاهرها » ، وما أثبت عن د . وهو أوضح .
( 2 ) في د . ط : « أن » .
( 3 ) سقط من د : « ثبوت » . خطأ .
( 4 ) أي : قيام القرائن من خارج .
( 5 ) أي : المعلوم من نفس السياق .
( 6 ) في د : « وتعدّد » .
( 7 ) في د : « في الكل يقدر » .
( 8 ) في د : « لأن » . تحريف .