. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
وأما قوله : إنه لم يعلم له شيخ ، فما أعرف كيف ذلك نقصا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رتبة بلغ بها أن يصحح ما أبطله غيره ويبطل ما صححه غيره بالأدلة الواضحة والمستندات الراجحة ؟ وكم من طالب فاق شيخه ، وخادم برّز على أستاذه ، وانظر إلى العلماء الكبار المشهورين من أهل الفنون الذين اعترف الناس لهم بأنهم ارتقوا في فنونهم إلى المراتب السنية التي لا تلحق ، هل كانوا متقدمين في الذكر على من اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أولا ؟
والطالب لا بد له من شيخ موفق ، ولكن إنما يحتاج إليه في حل الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود من كل باب من ذلك الكتاب ، وتقرير مسائله تصورا وتصديقا بحيث تصير له أهلية لفهم ما يطالعه من كتب ذلك الفن ، والتمييز بين الصحيح والفاسد من مسائله ، فإذا أعطاه الله تعالى مع ذلك صحة فكر وقوة إدراك واستمر عاكفا
محصلا لما هو بصدده فقد يصل إلى أضعاف ما وصل إليه شيخه ، وقد قال المصنف ( 1 ) : « وإذا كانت العلوم منحا إلهية ، ومواهب اختصاصية ، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين » ، ولكن الشيخ - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتأخرون من المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وتبّاعه - رحمهم الله تعالى - لم يصل إليه غيرهم ، فما رأي كتب المصنف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب ، ولم يبعد أن حصل في النفس حسد ما ، وكأن المصنف استشعر وقوع ذلك فلهذا قال بعد كلامه الذي تقدم ( 2 ) :
« أعاذنا الله من حسد يسدّ باب الإنصاف ، ويصدّ عن جميل الأوصاف » .
ولكن الله در أبي تمام الطائي ( 3 ) حيث قال :
4079 - وإذا أراد الله نشر فضيلة . . . طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النّار في ما جاورت . . . ما كان يعرف طيب نشر العود ( 4 )
-
هامش
( 1 ) انظر التسهيل ( ص 2 ) .
( 2 ) المرجع السابق نفسه .
( 3 ) أبو تمام : حبيب بن أوس بن الحارث الطائي ، الشاعر الأديب أحد أمراء البيان ، أقام في العراق حتى توفي بها سنة ( 231 ه - ) . انظر ترجمته في نزهة الألباء ( ص 155 ، 156 ) ، والخزانة ( ص 172 ) والأعلام ( 2 / 165 ) .
( 4 ) هذان بيتان من الكامل قالهما أبو تمام من قصيدة يمدح فيها أبا عبد الله أحمد بن أبي وهما في ديوانه بشرح التبريزي ( 1 / 397 ) ويروى فيه « طيب عرف العود » وانظرها في عيون الأخبار ( 2 / 8 ) والعقد الفريد ( 2 / 152 ) .