. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
وأما « كن كما أنت » فذكر ابن عصفور أنه يحتمل وجهين :
أحدهما : ما تقدم ذكره ، قال : وعلى ذلك حمله الأخفش ( 1 ) بأن « ما » كفت الكاف عن العمل ، وهيأتها للدخول على الجمل كما في « ربما » ، ويجوز إذ ذاك أن يكون « أنت » مبتدأ والخبر محذوف ، والتقدير : كن كما أنت عليه ، قال :
وتكون الكاف إذ ذاك لتشبيه معنى الجملة التي قبلها بمعنى الجملة التي بعدها ، وكأنه أمره بأن يكون منه في ما يستقبل كون يشبه كونه في الحال ، ويكون ذلك نظير قوله تعالى حكاية : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ( 2 ) ونظير قول القائل :
2595 - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة . . . إليك كما بالحائمات غليل ( 3 )
وقول الآخر :
2596 - لقد علمت سمراء أنّ حديثها . . . نجيع [ 4 / 20 ] كما ماء السّماء نجيع ( 4 )
ويجوز أن يكون « أنت » مرفوعا بفعل مضمر ، والأصل : كن كما كنت ، ثم حذف الفعل ، وانفصل الضمير ، فيكون نظير ما روي من قول الشاعر :
2597 - وما زرتنا في الدّهر إلّا لعلّة . . . كما اليائس العجلان ثمّ يغيب ( 5 )
أي كما يزور اليائس العجلان ؛ لأن « ثم يغيب » معطوف على الفعل المضمر والكاف باقية أيضا على معناها من التشبيه .
ثم قال ابن عصفور : ويجوز عندي في : كما أنت وجه آخر ، وهو أن يقال : إن « ما » زائدة ، و « أنت » في موضع خفض بالكاف ووقع ضمير الرفع المنفصل بعد الكاف كقولهم : ما أنا كأنت ، وفصل بين الكاف ومجرورها ب « ما » الزائدة ( 6 ) هكذا ذكر . ولم يظهر لي على هذا التقدير ما هو معنى هذا التركيب ، وإذ هذا الذي قرره يؤدي إلى أن يصير المعنى : كن كإياك أي كن كنفسك ، وهذا لا يقال ، لكن قال : هو أنك تكون شبهته فيما يستعمل بنفسه قبل ذلك . قال : ولا ينكر تشبيه الشيء بنفسه في حالتين مختلفتين .
وقال ابن أبي الربيع في « كن كما أنت » : « ما » بمعنى « الذي » ، وما بعده صلة -
هامش
( 1 ) راجع الارتشاف ( 2 / 438 ) .
( 2 ) سورة الأعراف : 138 .
( 3 ) البيت في الارتشاف ( 2 / 437 ) ، والتذييل ( 7 / 65 / أ ) .
( 4 ) من الطويل وينسب لذي الرمة ديوانه ( ص 670 ) وأمالي القالي ( 1 / 29 ) .
( 5 ) من الطويل وهو من شواهد أبي حيان في التذييل ( 7 / 65 / أ ) .
( 6 ) ينظر التذييل ( 4 / 31 ، 32 ) .