تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخصائص — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
وأيضا فإن المضمر المتصل وإن كان أضعف من الضمير المنفصل ، فإنه أكثر وأسير في الاستعمال منه ؛ ألا تراك تقول : إذا قدرت على المتصل لم تأت بالمنفصل . فهذا يدلّك على أن المتصل أخفّ عليهم ، وآثر في أنفسهم . فلمّا كان كذلك وهو مع ذلك أضعف من المنفصل ، وسرى فيه لضعفه حكم ، لزم المنفصل أعنى البناء ؛ لأنه مضمر مثله ، ولا حق في سعة الاستعمال به . فإن قيل : وما الذي رغّبهم في المتّصل حتى شاع استعماله ، وصار متى قدر عليه لم يؤت بالمنفصل مكانه ؟ قيل : علّة ذلك أن الأسماء المضمرة إنما رغب فيها ، وفزع إليها ؛ طلبا للخفّة بها بعد زوال الشكّ بمكانها . وذلك أنك لو قلت : زيد ضرب زيدا فجئت بعائده مظهرا مثله في ذلك إلباس واستثقال . أما الإلباس فلأنك إذا قلت زيد ضربت زيدا لم تأمن أن يظن أن زيدا الثاني غير الأوّل ، وأن عائد الأوّل متوقّع مترقّب . فإذا قلت : " زيد ضربته " علم بالمضمر أن الضرب إنما وقع بزيد المذكور لا محالة ، وزال تعلّق القلب لأجله وسببه . وإنما كان كذلك لأن المظهر يرتجل ، فلو قلت : زيد ضربت زيدا لجاز أن يتوقع تمام الكلام ، وأن يظن أن الثاني غير الأوّل ؛ كما تقول : زيد ضربت عمرا ، فيتوقّع أن تقول : في داره ، أو معه ، أو لأجله . فإذا قلت : " زيد ضربته " قطعت بالضمير سبب الإشكال ؛ من حيث كان المظهر يرتجل ، والمضمر تابع غير مرتجل في أكثر اللغة . فهذا وجه كراهية الإشكال . وأمّا وجه الاستخفاف فلأنك إذا قلت : العبيثران " 1 " شممته ، فجعلت موضع التسعة " 2 " واحدا ، كان أمثل من أن تعيد التسعة كلها ، فتقول : العبيثران شممت العبيثران . نعم ، وينضاف إلى الطول قبح التكرار المملول . وكذلك ما تحته من العدد الثمانيّ والسباعىّ فما تحتهما ، هو على كل حال أكثر من الواحد . فلمّا كان الأمر الباعث عليه ، والسبب المقتاد إليه ، إنما هو طلب الخفّة به ، كان
هامش
( 1 ) العبيثران : هو نبت طيب الريح ، من نبات البادية . وتفتح الثاء فيه وتضم . ( 2 ) أي أحرف " العبيثران " .