ولم يوضع في أصل اللّغة للشيب « 1 » ، فلما نقل إليه بأنّ المعنى لما اكتسبه من التشبيه لأنّ الشيب لمّا [ كان ] « 2 » يأخذ من الرأس شيئا فشيئا حتّى يحيله إلى غير لونه « 3 » الأوّل « 4 » ، كان بمنزلة النار التي تسري « 5 » في الخشب حتّى تحيله إلى حالة « 6 » غير حاله المتقدّمة ، فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان .
ولا « 7 » بدّ أن تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها ، لأنّ الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها ، ولا يخفى على أهل الذوق أنّ قوله عزّ وجلّ « 8 » :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 9 » ، أبلغ من « كثر شيب الرأس » ، وهو حقيقة ، ولا بدّ للاستعارة « 10 » من « 11 » مستعار منه ومستعار « 12 » ومستعار له ، ف « النار » « 13 » مستعار منها و « الاشتعال » مستعار « 14 » و « الشيب » مستعار له . انتهى .
ومنهم من قال : هي ادّعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه ، وهذا يؤيّد قول ابن جنّي : إن لم تكن « 15 » الاستعارة للمبالغة وإلا « 16 » فهي حقيقة . وكلام ابن جنّي حسن « 17 » في موضعه ، فإنّ الشيء إذا أعطي وصف نفسه لم يكن استعارة .
وقال ابن المعتزّ : هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء عرف بها ، كقول النبيّ ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) : « ضمّوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء » « 18 » ؛ فاستعار ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، « الفحمة » ل « العشاء » لقصد حسن البيان .
ومنهم من قال : هي استعارة الشيء المحسوس للشيء المعقول . وقال « 19 »
هامش
( 1 ) في و : « الشيب » .
( 2 ) من ط .
( 3 ) في ب : « حاله » ، وفي هامشها : « لونه » .
( 4 ) « الأوّل » سقطت من و ؛ وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 5 ) في د : « تمشي » .
( 6 ) « حالة » سقطت من ب ، د ، ط ، و .
( 7 ) في و : « فلا » .
( 8 ) في ب : « سبحانه وتعالى » ؛ وفي ط :
« تعالى » .
( 9 ) مريم : 4 .
( 10 ) في ط : « للاسعتارة » .
( 11 ) بعدها في د : « مستعار و » مشطوبة .
( 12 ) « ومستعار » سقطت من ب .
( 13 ) في ب : « والنار » .
( 14 ) « مستعار » سقطت من ك ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 15 ) في ط : « يكن » .
( 16 ) في ك : « وإلّا » كتبت فوق « للمبالغة » .
( 17 ) « حسن » سقطت من و ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 18 ) الحديث في مسند أحمد بن حنبل 1 / 457 ؛ 2 / 12 ؛ 3 / 77 .
( 19 ) في ط : « قال » .