ونظير ما ذكرت لك قوله [ من الطويل ] :
[ 480 ] -
ألا أيّ هذا المنزل الدارس الذي * كأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد
تجعل « هذا » نعتا ل « أيّ » لأنّه مبهم مثله . فهذا ما ذكرت لك من أنّ نعت الشيء على منهاجه .
وتقول : « يا هذا الطويل أقبل » ، في قول من قال : « يا زيد الطويل » .
ومن قال : « يا زيد الطويل » ، قال : « يا هذا الطويل » ، وليس بنعت لهذا ، ولكنّه عطف عليه ، وهو الذي يسمّى : « عطف البيان » .
ألا ترى أنّك إذا قلت : « جاءني زيد » ، فخفت أن يلتبس « الزيدان » على السامع ، أو « الزيود » ، قلت : « الطويل » ، وما أشبهه ؛ لتفصل بينه وبين غيره ، ولا تذكر إلّا ما يخصّه ممّن له مثل اسمه .
وإذا قلت : « جاءني هذا » ، فقد أومأت له إلى واحد بحضرتك ، وبحضرتك أشياء كثيرة فإنّما ينبغي أن تبيّن له عن الجنس الذي أومأت إليه ؛ ليفصل ذلك من جميع ما بحضرتك ممّا يراه . فأنت هناك إنّما تخصّ له شيئا من شيء ممّا يعرفه بقلبه ، وأنت هاهنا إنّما تبين له واحدا من جماعة تلحقها عينه .
فأمّا « الطويل » وما أشبهه ، فإنّما حدّه أن يكون تابعا لما يلحق المبهمة من الجواهر .
تقول : « جاءني هذا الرجل الطويل » ، و « اشتريت هذا الحمار الفاره يا هذا » .
* * *
هامش
[ 480 ] - التخريج : البيت لذي الرمة في ديوانه ص 1088 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 486 ، 487 ؛ وبلا نسبة في المفصل 2 / 7 ؛ والمحتسب 2 / 69 .
اللغة والمعنى : كأنّ هذا المنزل لدروسه وتغيّر آثاره لم يقم فيه أحد ، ولا عهد به لأحد .
الإعراب : « ألا » : حرف استفتاح وتنبيه . « أيها » : منادى مبني على الضم في محل نصب ، وها : زائدة للتنبيه . « ذا » : صفة ل « أيّ » مرفوع بالضمة المقدرة ، أو منصوب بالفتحة المقدرة . « المنزل » : عطف بيان على ( ذا ) مرفوع وعلامة رفعه الضمة . « الدارس » : صفة ل « المنزل » مرفوعة بالضمة . « الذي » : صفة ثانية مبني على السكون محله الرفع . « كأنّك » : حرف مشبه بالفعل ، وكاف الخطاب : اسم ( كأنّ ) محله النصب ، « لم » :
حرف جازم . « يعهد » : فعل مضارع مجزوم ب « لم » وعلامة جزمه السكون . « بك » : جار ومجرور متعلقان ب « يعهد » . « الحيّ » : مفعول به منصوب بالفتحة . « عاهد » : فاعل مرفوع بالضمة .
وجملة « يا أيها ذا المنزل » : ابتدائية لا محل لها . وجملة « كأنك لم يعهد عاهد » : صلة الموصول لا محل لها . وجملة « لم يعهد عاهد » : خبر ( كأنّ ) محلّها الرفع .
والشاهد فيه : وصف ( أيّ ) باسم الإشارة ، وهو مثله في الإبهام ، وأجرى المنزل على ( هذا ) لأنه مفرد مثله .